كتب موقع لبنان الفيدرالي عبر موقع X :
قال نبيه برّي اليوم انّ حركة أمل التي يرأسها تقف “أمام حزب الله في الدفاع عن كل حبّة تراب من لبنان وتقاوم ضمن إمكانيّاتها العسكريّة.” يعني هذا، ضمن ما يعنيه، أنّ أمل لم تتحوّل الى حزب سياسي كما كان يفترض بالميليشيات اللبنانيّة بعد العام 1990، ولا تزال الى الساعة فصيلا مسلّحا. الفضيحة الحقيقيّة هنا ليست فضيحة نبيه برّي، رئيس المؤسّسة التي يفترض أن تقرّ القوانين، والذي يتصرّف كأنّها غير موجودة، بقدر ما هي فضيحة خطاب خشبي مسيحي لا يزال يصرّ على “بناء الدولة”، و”العودة الى الدستور”، و”تطبيق الطائف”، وسائر الترهات التي يردّدها مفلسو السياسة، وزجّالوها، بينما يحشد نبيه برّي وسواه قوى عسكريّة مشروعها بنهاية المطاف موجّه ضدّ مجتمعنا أوّلا.
بالحقيقة: لا ديموقراطيّة بدون ديموقراطيّين. بمعنى آخر: لا يمكن تطبيق ممارسة حديثة ولبراليّة للسياسة، على المستوى المؤسّساتي، بغياب قناعات حداثيّة ولبراليّة، على المستوى الثقافي. وما بات واضحا وضوح الشمس هو انّ هذه القناعات غائبة تماما عن البنية التحتيّة الثقافيّة في هذه المنطقة من العالم، خصوصا عند لاعبي المحور الممانع الممتدّ من طهران الى بيروت. من يريد أن يبني أيّ شيء بالشراكة مع هؤلاء هو بالظبط كمن يريد أن يبني بناء شاهقا بغياب الأسس الضروريّة لحمله. أيّ هراء هو هذا؟
استطرادا: باسم بناء الدولة، ووحدة لبنان الذي هو “أصغر من أن يقسّم”، شنّت حروب سابقا ضدّ “المليشيات”، كانت عمليّا حروبا ضدّ القوّة الذاتيّة للمكوّن المسيحي. مرّت عقود على تلك المرحلة الرهيبة، لكنّ تبعاتها على مجتمعنا لم تمرّ. ها هو برّي يتباهى بامكانيّاته العسكريّة، وها قوّات الرضوان جزء من المعادلة الجيوبوليتكيّة حولنا، بينما يقف المكوّن المسيحي غير المسلّح كحمل بين ذئاب، في منطقة لا رحمة فيها للضعفاء، ولا مكان.
هذا ما جناه علينا منطق “بناء الدولة”، و”لبنان رسالة حريّة”، و”لبنان أصغر من أن يقسّم”، وسائر الكليشيهات التي لم تعكس يوما غير الخواء الفكري المخيف لأصحابها.
هل استنهاض مجتمعنا لا يزال ممكنا؟ الجواب أن نعم، شرط الوضوح الذهني. هذا الوضوح يبدأ بفهم ما يلي:
1) العلاقة بين المكوّنات في مجتمعات العالم العربو-اسلامي تحكمها معادلة موازين القوى، لا منطق المؤسّسات والقوانين الغريب عن تقاليد هذه المجتمعات وثقافتها.
2) تتحكّم بموازين القوى هذه معطيات بنيويّة، منها ديموغرافي، ومنها سياسي، ومنها عسكري.
3) من يتخلّى عن قوّته الذاتيّة باسم مطلقات رومنسيّة من نوع “بناء الدولة” ينتحر. “الدولة” في سوريا تعني الحكم العلوي؛ و”الدولة” بالعراق تعني اليوم الحكم الشيعي، وسابقا الحكم السنيّ؛ و”الدولة” بالبحرين تعني الحكم السنّي؛ وهكذا. السياسة بالعالم العربو-اسلامي سياسة غلبة.
كلّ هذا بديهي. لماذا يقاومه العقل المسيحي منذ قرن؟ الجواب أن التغريب الثقافي منع النخب المسيحيّة الحالمة ب”العلمنة” و”الدولة” و”التعايش” من فهم قواعد اللعبة بالمجتمعات العربو-اسلاميّة. هذه النخب تعيش ذهنيّا على كوكب آخر. وبقدر ما تفرز المجتمعات المحيطة بها لاعبين كنبيه برّي، وحسن نصراللّه، وداعش، والقوى المشابهة، بقدر ما يزيد الهذيان الفكري المتعلّق ب”الدولة” وبنائها، وسائر المعزوفة.
البديل عن كلّ هذا واضح: أن نضع لأنفسنا هدفا لا تسوية فيه، ولا مهادنة، عنينا الحكم الذاتي من خلال الفدراليّة، أو ما بعدها. أيّ شيء غير ذلك يعني أن نسلّم رقبتنا لنبيه برّي، و”امكانيّاته العسكريّة”. نتيجة هكذا خيار واضحة: أن ينضمّ مجتمعنا الى أرمن تركيا، ويهود لبنان، وأزيديّي العراق، أي الى سائر أقليّات المنطقة التي سحقها بدون رحمة وعيا ما كان يوما -ومحال أن يكون لأسباب دينيّة/ثقافيّة- غير كاره للأقليّات.



