قال مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان في رسالة الإسراء والمعراج التي وجهها الى اللبنانيين الأربعاء:
“ما كانَ الأَقْصَى بِالنِّسْبَةِ لِلمُسلِمِينَ ذِكْرَى، بلْ هُوَ وَاقِعٌ تَعَبُّدِيٌّ وَتَارِيخِيٌّ وَرَمْزِيّ. فَبَيتُ المَقدِسِ أُولَى القِبلَتَين، وَمَسْجِدُها ثَالِثُ الحَرَمَين ، وَطَوَالَ التَّارِيخِ الإِسلامِيّ ، كانَ الأَقْصَى إلى جَانِبِ الحَرَمَينِ بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةِ دُرَّةَ التَّاج ، وَمُنذُ حَوالَي المِائةِ عَام ، عَادَ الصِّرَاعُ على الأَقْصَى مَعَ الصُّهيُونِيَّةِ العَالَمِيَّة ، وَبَلَغَ إِحدَى ذُرَاهُ في العُقُودِ الأَخِيرَة ، بَعدَ التَّصْمِيمِ على هَدْمِ الأقْصَى أَو الاسْتِيلاءِ عليه . فَفِي التُّرَاثِ الإِسلامِيّ ، أنَّ النَّبِيَّ مُحَمّداً صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عليه ، صلّى بإِخوتِهِ الأنبياءِ في هذا المَوقِع . فالقرآنُ الكريم ، يَعُدُّ الدَّعَوَاتِ إلى الوَحْدَانِيَّةِ مِن خِلالِ الأَنْبِيَاءِ أُخُوَّةً في الحَقّ، وفي استِمْرَارِ رَحمَةِ اللهِ وَلُطفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ عَبرَ العُصُور . أمَّا المُتعَصِّبُون فيقولون بِالحَصرِيَّةِ وَالاستِبْعَادِ وَالإِقصَاء، والقرآنُ الكريمُ يُقَرِّر : ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ . المَسجِدُ الأُقصَى في خَطَر، والقُدْسُ في خَطَر، وَفِلسطِينُ في خَطَرٍ مُنذُ مِائةِ عَامٍ وَأَکثَر”.
وشدد دريان على انه في ذِكرِى الِإسرِاءِ وَالمِعرَاج ، “نُعلِنُ أَنَّ إِنقَاذَ الأَقصَى وَالقُدسِ وَفِلسطين، وَاجِبٌ شَرعِيّ ، فَهِيَ أَرضُ وَقْفٍ لِله، وَأَولَوِيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ وَدِينِيَّة ، فنحن العَرَبُ أَقوِيَاءُ بِتَضَامُنِنَا وَتَكَامُلِنَا وَاتِّحَادِنَا ، وَبِالمُحَافَظَةِ على هُوِيَّتِنَا وَأَصَالَتِنَا العَرَبِيَّة ، وَسَنَبقَى أَقوِيَاءَ مَا دَامَتْ ثِقَتُنَا بِاللهِ رَاسِخَةً ، وَبِعَقِيدَتِنَا قَوِيَّةً ، وَبِعُرُوبَتِنَا الشَّامِخَة ، وَمَا دَامَ لَدَينَا قَضِيَّةٌ مَصِيرِيَّةٌ فَلَنْ نَتَخَلَّى عنها ، هي القضِيَّةُ الفِلَسطِينِيَّةُ العَرَبِيَّةُ والإسلامِيَّةُ الأُولَى ، فَمَهْمَا بَغَى المُحتَلُّ الصُّهيُونِيُّ وحُلَفاؤُه وَطَغَى في غَزَّةَ وَسَائرِ فِلَسطِين، فَسَيَأْتِي يَومٌ يُهزَمُ فيهِ هذَا العَدُوّ ، وَيُطْرَدُ مِنْ أَرضِنَا المُقدَّسَةِ الطَّاهِرَة ، فمُقَاوَمَتُنا لِهذا العَدُوِّ الصُّهيُونِيّ، هيَ مُقاوَمَةُ أَجْيَال، وليستْ مُختَصَرَةً بجيلٍ واحد”.
وفي الشأن اللبناني قال: رُؤيَتُنَا نَحْنُ المُسْلِمين ، التي تَطَّرِدُ وَتَستَمِرُّ لِتَكُونَ مَنَاطَ العَلاقَةِ اليومَ في الوَطَنِ مَعَ المَسِيحِيِّين، الَّذِينَ تَقَاسَمْنَا وَنَتَقَاسَمُ مَعَهُمْ بِالأَمْسِ وَاليَوم ، حُلوَ العَيشِ وَمُرَّه ، وَمَا أَكثَرَ المَرَارَاتِ في العَيشِ اللُّبْنَانِيِّ اليوم ، التي تَدْفَعُ بِاتِّجَاهِ التَّحَابِّ وَالتَّضَامُن ، وَتَأبَى الفُرْقَةَ وَالانقِسَام . فقد جاءَ في القُرآنِ الكريم : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذينَ لم يُقاتِلُوكُمْ في الدِّينِ وَلمْ يُخرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِليهِم ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقسِطِين﴾. عَلاقَةُ البِرِّ وَالقِسْطِ هِيَ السَّائدَةُ مَعَ الشُّرَكَاءِ المَسِيحِيِّينَ بِالدَّاخِلِ الوَطَنِيِّ وَالعَرَبِيِّ وَالإِسلامِيّ ، حَسْبَمَا وَجَّهَنَا لِذلِكَ القُرآنُ الكَرِيم، ونحن شَدِيدُو الحِرصِ في الوَفَاءِ لها، وَالتَّشَبُّثِ بِهَا في الدِِّينِ والدُّنيَا وَالأَوطَان .
اضاف: ذَكَرْتُ المَرَارَاتِ الكَبِيرَةَ في العَيشِ الوَطَنِيّ ، التي لا عِلَّةَ لها إلا الأنَانِيَّاتُ السِّيَاسِيَّةُ والحِزبِيَّة ، ولا عِلَّةَ لها غيرُ الطُّمُوحَاتِ وَالأَطمَاعِ وَأَحْلامِ السَّيطَرَةِ وَالاستِيلَاء ، وعلى مَاذَا السَّيطَرَة ؟ مَا عَادَ هُناكَ شَيءٌ يُمكِنُ أَو يَستَحِقُّ السَّيطَرَةَ عليه . الإِخوَةُ الفِلسطِينِيُّونَ يُناضِلُونَ مُنذُ مِائةِ عَامٍ وَأَكْثَرَ ضِدَّ المُغتَصِبِينَ وَالمُحتَلِّين ، فَضِدُّ مَنْ يَحدُثُ عِندَنَا الاسْتِقْطَابُ ، وَضَرْبُ المُؤَسَّساتِ ، وإِفرَاغُ المَنَاصِبِ الكُبْرَى ، وَتَضْيِيقُ سُبُلِ العَيشِ على النَّاس . لقد صِرْنَا نُنَافِسُ أَكْثَرَ الدُّولِ وَالبُلدَانِ شَقَاءً وَفَقْراً ، في مَوجَاتِ هِجرَةِ الشَّبَابِ الأَكْفَاءِ مِنْ لبنان . وانُظُرُوا إلى شَجَاعَةِ اللبنانِيِّينَ وَآمَالِهِمُ التي لا شِفَاءَ مِنها، إِذْ لا يَنسَوْنَ وَطَنَهُمْ ولا أَهْلِيهِمْ مَهمَا تَبَاعَدَتْ بِهِمْ دِيَارُ الهِجْرَة ، سَوَاءٌ بِالزِّيَارَةِ أَو بِالدَّعمِ مِنَ الخَارِجِ إلى الدَّاخِل .
وتابع دريان: أمَّا في مُجْتَمَعِنَا السِّيَاسِيِّ والإِدَارِيّ ، فَلا حِرْصَ وَلا إِشَارَةَ إلى اسْتِقَامَةٍ أَو أَمَل ، بَلْ وُعُودٌ وَحَرَكَةٌ بِلا نَتِيجَةٍ تَضَعُ النِّقَاطَ على الحُرُوف . كُلَّ يَومٍ هناكَ حِيلةٌ جَدِيدةٌ لِلاستِمْرَارِ في احتِجَازِ أَموَالِ النَّاسِ وَوَدَائِعِهِم وحَجْبِهَا، فَمَا حَدَثَ عِندَنَا مَا عَرَفَهُ بَلدٌ في العَالَم وقدْ حَدَثَتْ ظُرُوفٌ استثنائيَّةٌ هنا أو هناك ، لكنَّهَا سُرعَانَ مَا انْقَضَتْ ، أَمَّا عِندَنا فَمَا يَزَالُ الحَاكِمُونَ وَرِجَالاتُ المَصَارِفِ يَأْتَمِرُونَ في كَيفِيَّاتِ إِنْكَارِ حُقُوقِ النَّاس، وَمَا اتَّفَقُوا على شَيءٍ إِلا على الاسْتِمْرَارِ في ضَربِ مُقَوِّمَاتِ البِلادِ المَالِيَّةِ وَالإِدَارِيَّةِ وَالإِنسَانِيَّة.
وسأل: لماذا تَخلُو المَنَاصِبُ مِنْ شَاغِلِيهَا ، وَتُرتَكَبُ مِئَاتُ الحِيَلِ القانونيَّةِ وَغَيرِ القَانونِيَّةِ لِإبقَائهَا خَالِيَةً أًو شَغْلِهَا المُؤَقَّت ؟ لا أَعرِفُ بَلَداً في العَالَمِ يَتَعَذَّرُ فيه انْتِخَابُ رَئيسٍ لِلجُمْهُورِيَّة ، وَكَيفَ تَقُومُ دَولَةٌ بِدُونِ رَئيسٍ وَحُكُومَةٍ عَامِلَة ؟ وَالسَّبَبُ أَنَّ هذا الفَرِيقَ أَو ذَاك ، لا يَقْبَلُ غَيرَ مُرَشَّحِه ، مَعَ أَنَّ العُنوَانَ هُوَ الانْتِخَابُ أو الاقْتِرَاع ، وَلْيَفُزْ مَنْ يَفُوز. كُلُّ هذه الأُمُورُ بَدِيهِيَّاتٌ إلا في لُبنانَ المُصَابِ بِسِيَاسِيِّهِ وَنُخَبِهِ المُتَنَطِّحَةِ لِلتَّسَلُّطِ بِأَيِّ ثَمَن ، فلا بُدَّ مِنْ إيجَادِ حَلٍّ لانتخَابِ رَئيسٍ لِوَطَنِنَا، فَانتِخَابُ رَئيسٍ لِجُمهُورِيَّتِنَا هُوَ مِفتَاحُ الحَلِّ لِكُلِّ قَضَايَانَا ، وَعَجَبًا لَسَاسَتِنَا عِندَمَا يَتَّفِقُونَ حَولَ قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ، يَجِدُونَ الحُلُول ، وَحِينَمَا يَختَلِفون ، لا حُلُول ، وفي مُقَدِّمَتِهَا انتِخَابُ رَئيسٍ لِلجُمْهُورِيَّة ، وَتَشكِيلُ حُكُومَةٍ فَاعِلَةٍ رَئيساً وَأَعضَاءً ، وَيَنتَظِرُونَ المُسَاعَدَةَ مِنَ الخَارِج ، وَمَشكُورَةٌ اللجنةُ الخُمَاسِيَّةُ البَاحِثَةُ لنَا عَنْ رَئيسٍ أَو مُوَاصَفَاتٍ لِلرئيس ، في غِيَابِ الِإرَادَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ لانتِخَابِ رَئيسٍ جًامِعٍ وَحُكُومَةٍ فَاعِلة.
وقال: لقدْ مَضَتْ عليها سَنَوَاتٌ وَسَنَوَات ، وَنَحنُ على هَذِهِ الوَتِيرَةِ في الشَّقَاءِ وَالعَذَابِ وَالتَّخرِيبِ لِمُقَوِّمَاتِ البِلادِ وَاستِقرَارِهَا وَعَيشِ مُوَاطِنِيهَا ، وَكُلَّمَا انْقَضَتْ مَوجَةٌ هَبَّتْ عَلينَا مَوجَةٌ أَشَدّ ، كَأنَّمَا هي لَعنَةٌ لا تَنقَضِي آفَاتُهَا وَنَكَبَاتُها . يَقولُ لنا الذين يَدَّعُوَن الحِكمَةَ وَالنَّظَرَ البَعِيد: لَنْ تَنْتَهِيَ أَزْمَتُكُمْ إِلا بِانْتِهَاءِ أَزمَةِ الشَّرقِ الأَوسَط! وَأَكَادُ أَقول : إِنَّ المَرَضَ تَغَلْغَلَ في أَحشَاءِ وَطَنِنَا حتى قَبلَ كُلِّ الأَزَمَات ! مَا شَأُنُ أَزْمَةِ الشَّرقِ الأَوسَطِ بِانْفِجَارِ المَرفَأ ؟ ، ومَا شَأْنُ أَزْمَةِ الشَّرْقِ الأَوسَطِ بِانْهِيَارِ الليرَةِ اللُّبنَانِيَّة ؟، وَأَخيراً مَا شَأْنُ الأًزْمَةِ المَذكُورَةِ بِعَدَمِ انْتِخَابِ رَئيسٍ لِلجُمهُورِيَّة ؟
واكد دريان انه علينَا أَنْ نَفْصِلَ بَينَ أَزْمَتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ في لبنان ، عَنْ أَزَمَاتِ الشَّرقِ الأَوسَط ، وَهذِهِ مَسؤُولِيَّةٌ وَطَنِيَّة ، لا يَنْبَغِي أنْ يَكُوَنَ هناكَ رَابِط ، فلبنانُ دَولةٌ عربِيَّةٌ مُستَقِلَّةٌ لا وِصَايَةَ عليه ، بَلْ تَعَاوُنٌ مَعَ الأَشِقَّاءِ والأَصْدِقَاء ، وَهُوَ بَلدٌ سَيِّدٌ حُرٌّ مُستَقِلّ.
وتابع: إنَّ رَأْيَنَا في ذَلِكَ كُلِّهِ ، هُوَ مِثْلُ رَأيِ مُعْظَمِ اللبنانِيِّين : لا عِلَّةَ لِأَزَمَاتِنَا غَيرُ الفَسَادِ وَالإِفسَادِ السِّيَاسِيّ ، وَالغُرُورِ وَالتَّبَعِيَّةِ لِلخَارِج ، وَالأَهوَاءِ المُتَحَكِّمَة ، يَستَطِيعُ الفَردُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيمَا يَمْلِك . أمَّا التَّصَرُّفُ فِيمَا لا يَمْلِكُ مِنْ مُقَدَّرَاتِ الوَطَنِ وَاسْتِقْرَارِهِ وَمَصَائرِه ، فَهُوَ عُدوَانٌ وَحُمْقٌ، وَليسَ شَجَاعَةً أَو حِكمَة.
وختم: يَعْلَمُ اللهُ ، أَنَّنَا لا نُرِيدُ إِثارَةَ اليَأْس ، وَلا زِيَادَةَ الإِحسَاسِ بِالعَجزِ وَالسُّخْطِ لَدَى المُوَاطِنِين ، وَنَتَحَرَّى نحنُ أَهْلَ المَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ الدِّقَّةَ المُتَنَاهِيَةَ في كُلِّ كَلِمَةٍ نَقولُها ، لكنَّ الوَاقِعَ المُرَّ الذي يَعِيشُ فيه المُواطنون مُنذُ أَعوَامٍ وَأَعوَام ، قَدْ يُحَوِّلُ الصَّمْتَ إلى تَوَاطُؤ . وَكَمَا جَاءَ في المَأْثُور ، فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنِ الحَقِّ شَيطَانٌ أَخرَس ، فمَاذَا بَقِيَ لنَا غَيرُ الكَلِمَةِ التي نُعْلِنُها كَأنَّمَا هِيَ نَفْثَةُ مَصْدُور.



