كتبت فاطمة حوحو ـ أخباركم أخبارنا: بيني غانتس عضو مجلس الحرب الإسرائيلي، منافس آخر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يبدو إنه لا يهتم كثيراً لغضبه، فهو يزور الولايات المتحدة من دون أن يأخذ بعين الإعتبار اللوائح الحكومية، التي تتطلب الموافقة المسبقة لأي وزير بالسفر من رئيس الوزراء. وبالتالي، من الواضح إنه بهذه الزيارة يتحدى ويساير الأميركيين بعد ان تسببت عملية السيوف الحديدة بمقتلة للفلسطينيين وبانت حقائق كثيرة عن أهداف الحرب في غزة بما يتجاوز كل الحدود والقوانين. وأدت مسايرة نتنياهو لشركائه المتطرفين داخل الحكومة وعدم استغنائه عنهم، إلى تعقيد المشهد الإسرائيلي الداخلي على خلفية أحداث ما بعد طوفان الاقصى وأزمة الأسرى والمفاوضات، كما جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، والتي أصبحت مشكلة داخل البلدان الداعمة لإسرائيل لا سيما للإدارة السياسية في واشنطن، والدليل هو تملص نتنياهو من إعلان الرئيس الاميركي جو بايدن عن هدنة رمضان.
زيارة غانتس لواشنطن من اجل البحث مع المسؤولين الاميركيين في ملف تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار في غزة، يطرح السؤال هل يحضر الأميركيون للاطاحة بنتنياهو لعدم تجاوبه مع دعوات الهدنة الرمضانية؟ وقد سبق لهم التحذير من محاولة نتنياهو تخريبها لأسباب سياسية لأن ذلك سيؤدي إلى تصادم مباشر مع البيت الأبيض.
لماذا غانتس؟ من الواضح إنه المرشح الأكثر حظاً لخلافة نتنياهو، فحسب استطلاع رأي لصحيفة “معاريف” أخيراً حظي بنسبة 50% من المؤيدين له ليكون رئيساً للوزراء. بعد تراجع شعبية الحكومة الإسرائيلية الحالية، وظهور خلافات داخل الحكومة ومجلس الحرب الإسرائيليين خلال حرب غزة، حيث شهدت اجتماعاتهما الكثير من التوتر وصلت إلى حد تبادل الإهانات والتجريح.
وكانت مشاركة غانتس في تظاهرة معارضة، حاشدة وغاضبة، في تل أبيب احتجاجاً على تعاطي الحكومة مع ملف الأسرى الإسرائيليين في غزة، لفتت الأنظار وطرحت العديد من التساؤلات حول تماسك الحكومة بعد الحرب في غزة، حيث اتهم غانتس بالعمل على الاطاحة بنتنياهو مستعيناً بأعضاء من حزب الاخير في “الليكود”.
ولد بيني غانتس في 7 يوليو – تموز عام 1957 في كفر أحيم في إسرائيل لأم من أصل مجري وأب من أصل روماني. التحق بالجيش في عام 1977، حيث انضم للواء المظليين وتدرج في هذا السلاح حتى صار قائداً له في عام 1995، وفي عام 2011، صار قائداً لأركان الجيش الإسرائيلي. ومن أبرز المهام العسكرية التي تولى قيادتها أثناء وجوده في ذلك المنصب عملية “الجرف الصامد” ضد حركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة.
نشأ بيني في كفر أحيم، وهي مستوطنة زراعية تعاونية أسسها مهاجرون يهود في وسط إسرائيل، وكان والداه جزءاً من المجموعة التي أسست المستوطنة. تزوج من ريفيتال، مديرة مركز تدريب الآباء التابع لجمعية “نيتزان”، ولديهما 4 أطفال، وهم يعيشون في “روش هاعين”.
كان غانتس من قدامى المحاربين في لبنان، فقد شارك في عملية “الليطاني” في مارس/آذار 1978، حيث اجتاح حوالي 25 ألف جندي إسرائيلي جنوب لبنان، وأدى ذلك إلى سقوط ما بين 200 و400 شهيد لبناني، ونزوح حوالي 400 ألف إلى بيروت وضواحيها. شارك غانتس كذلك في حرب لبنان الأولى عام 1982، وباعتباره قائد فرقة جيش الدفاع الإسرائيلي في لبنان أثناء الانسحاب النهائي من “المنطقة الأمنية”، كان آخر جندي إسرائيلي يغادر البلد المحتل في ايار/ مايو 2000 بعد 18 عاماً.
كما عيّن في عام 2005 قائداً للقوات البرية، وفي يوليو/تموز 2006 شارك في الحرب على لبنان.
مهمته الأولى كانت جزءاً من التفاصيل الأمنية لزيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر 1977. وفي أيار/ مايو 1991، كان مسؤولاً عن وحدة الكوماندوس التي قامت بتأمين مطار أديس أبابا خلال عملية جسر سليمان الجوي لنقل اليهود الإثيوبيين إلى داخل فلسطين المحتلة.
وفي عامه الأول رئيساً للأركان العامة عيّن غانتس أول امرأة برتبة لواء في الجيش الإسرائيلي، وشارك في قرار تبادل الأسرى الفلسطينيين مقابل إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي المختطف جلعاد شاليط.
قاد غانتس الجيش الإسرائيلي في العدوان على غزة في عملية “عمود السحاب” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، وقاد لاحقاً عملية “الجرف الصامد” على غزة في عام 2014، والتي استمرت 51 يوماً، وأسفرت عن استشهاد 1462 مدنياً فلسطينياً ثلثهم من الأطفال.
تباهى غانتس في تسجيلات مصورة بعدد القتلى الفلسطينيين والأهداف التي تمّ تدميرها تحت قيادته، قائلاً إنه جرى قتل “1364 إرهابياً” في القطاع، الذي قال عنه إنه “أعيد إلى العصر الحجري”.
انتهت فترة ولاية غانتس رئيساً للأركان العامة عام 2015 بعد مسيرة عسكرية استمرت 38 عاماً، وبعد ثلاث سنوات بدأ نشاطه السياسي، إذ أثار الكثير من الجدل بإعلانه الترشح لخلافة نتنياهو في انتخابات 2019، والذي استهله برفض وجود رئيس حكومة متهم بقضايا فساد، في إشارة إلى نتنياهو.
دخل أيضاً قطاع المال والأعمال، فشارك في مؤسسات عدة، مثل شركة العقارات “أموت للاستثمارات” و”إلرون للصناعات الإلكترونية”.
أعلن غانتس رسميا دخوله السياسة في تموز/ يوليو 2018، فأسس حزب “الصمود لأجل إسرائيل”. وفي بدايات 2019 أعلن عن تحالفه الانتخابي مع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه يعلون وحزبه “تيلم”، ثم انضم إلى تحالف حزب “يش عتيد” بزعامة يائير لابيد، وتمّ تأسيس قائمة موحدة تعرف باسم حزب “أزرق أبيض” بزعامة غانتس لخوض الانتخابات العامة لعام 2019.
ارتفعت أسهم حزبه في استطلاعات الرأي، وعمل فريقه على جذب ناخبين مختلفين تماماً، فمن جهة جذب التغييريين من ناخبي اليسار والوسط، ومن جهة أخرى عمل على جذب الناخبين اليمينيين الذين كانوا يصوتون لصالح نتنياهو.
في خطاب إعلان الترشح آنذاك، لم يذكر غانتس نتنياهو بالاسم، لكنه أشار إلى “قيادة تتمحور حول نفسها وتتصرف كأنها أسرة مالكة”. وقال “ستضم حكومتي رجال دولة وليس ملوكاً”، في إشارة إلى نتنياهو الملقب باسم “بيبي”، والذي أطلق عليه البعض “الملك بيبي”، وأكد أن “لا تسامح مع الفساد”.
كما وجه تحذيرات قوية لإيران و”حزب الله” و”حماس”، مشدداً على أن “القدس هي العاصمة الموحدة لإسرائيل”. وأكد أنه لا انسحاب من هضبة الجولان السورية.
حينها، تباينت ردود فعل التكتلات السياسية في إسرائيل على إعلانه خوض الانتخابات. إذ إعتبر حزب “الليكود” أن غانتس لو فاز سيشكل حكومة يسارية، بينما قال حزب “العمل” إن غانتس يتحدث بصفة عامة ليكسب الجميع. وفي الوقت نفسه، هاجمه اليهود المتشددون لأنه تعهد بأن تعمل المواصلات يوم السبت. وقال عضو البرلمان يوآف بن تسور إن غانتس “يتحدث كملحد”.
مرت انتخابات نيسان/ أبريل 2019 بتعادل كل من التحالف والليكود بحصول كل منهما على 35 مقعداً، وانتُخب غانتس لعضوية الكنيست 21 وأصبح رئيساً لكتلة حزب “أزرق أبيض”.
كان من الواضح أن حياته السياسية تشبه مسيرته العسكرية. حيث كان هناك مرشحون أكثر احتمالاً لبعض المناصب العليا التي تمّ تعيينه فيها. ومع ذلك استمر في الترقي. فهو كان عين نائباً لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي كمرشح تسوية لأن رئيس الأركان آنذاك غابي أشكنازي ووزير الدفاع إيهود باراك استخدما حق النقض ضد المرشح الآخر لهذا المنصب.
أصبح غانتس في النهاية رئيساً للأركان بعد أسبوع من تقاعده رسمياً من الخدمة، عندما شابت الفضائح المرشحين اللذين تم اختيارهما بدلاً منه.
خلال قيادته لواء النخبة المظلي في الجيش، وصفه بعض من عمل معه بالضابط الذكي، والشجاع عند الضرورة وليس متحمساً دائماً، وقيل إنه لم يكن طموحاً ولا متغطرساً، فهو لم يترك أثراً كبيراً في تعاقبه على المناصب العليا.
تدرج في المناصب العسكرية إلى أن تولى وزارة الدفاع في ائتلافين حكوميين، وشغل منصب نائب رئيس الوزراء ورئيس الحكومة البديل في حكومة الطوارئ الوطنية التي شكلها نتنياهو في نيسان /ابريل 2020.
تحالف غانتس – نتنياهو أدى إلى انهيار حزب “أزرق أبيض”، وفقد غانتس الدعم عندما نكث بوعده الانتخابي بعدم العمل في حكومة مع نتنياهو، وبدأ أعضاء الحزب بالانشقاق والتحول إلى أحزاب أخرى.
لاحقاً، تحول وانضم غانتس الى حكومة يائير لابيد. وفي تشرين الأول/ اكتوبر 2023، انضم غانتس إلى “المجلس الأمني” الذي انبثق من حكومة الطوارئ التي تشكلت لإدارة الحرب على غزة، عقب عملية “طوفان الأقصى” التي أطلقتها حماس، رداً على اعتداءات جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني وحصار غزة.
في مواقفه السياسية يحرص على إظهار وحدة الموقف الإسرائيلي داخلياً، وإيمانه “بإسرائيل آمنة ويهودية وديمقراطية”، ويرى ضرورة تعزيز قوة الجيش الإسرائيلي في مواجهة التحديات.
ويشدّد على أن “القدس هي العاصمة الموحدة لإسرائيل”، لكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تحقيق السلام مع الفلسطينيين مع الحفاظ على المصالح الأمنية لإسرائيل. ويشير إلى تقديم تنازلات إقليمية للفلسطينيين، لكنه يتجنب الحديث عن الدولة الفلسطينية، ويرفض أن تصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية. ويرى غانتس أن غور الأردن “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، وهو الحاجز الدفاعي الشرقي للبلاد في أي صراع مستقبلي، كما يعارض الانسحاب من هضبة الجولان السورية.
درج في مواقفه على مهاجمة حزب الله ومن تصريحاته “عند وجود أزمة أمنية نضع خلافاتنا جانباً، وإذا احتجنا لرد في لبنان أو غزة فنحن جاهزون”، وهو يتوعد لبنان بأنه “سيتحمل عواقب استخدام أراضيه لإطلاق الصواريخ”، متحدثاً عن “بنك أهداف غير مسبوق في لبنان”.
كما كان يتوجه إلى إيران بالقول: “مخطئون في تقدير الأمور والبناء على انقسامنا في إسرائيل”.
وركز خلال الحرب على غزة على تهديد لبنان، فهو أكد أن “الجيش الإسرائيليّ يعمل بشكل جّيد على الجبهة الشمالية .. وقوّة الردع هناك ستُصبح أفضل”، محذراً “ا ل ح ز ب” بأن عليه إدراك الثمن الذي سيتكبده، وتوسيع المعركة.
وسبق لغانتس أن أمر “الجيش الإسرائيلي بتدمير منشآت لبنانية حيوية عند أي هجوم إنتقامي لـ”حزب الله” ضد جنود أو مواطنين، رداً على الغارات التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي في سوريا.
وهدد غانتس نتنياهو أخيراً بحلّ مجلس الحرب، في حال واصل اتخاذ القرارات وحده من دون الرجوع إليه، مما تسبب لنتنياهو بموقف حرج خلال المفاوضات. فهو اذا وافق على صفقة الاسرى يعني خروج بن غفير من الحكومة وإسقاطها، وإذا عارضها فهو يخرج غانتس من الحكومة ويثير احتجاجاً شعبياً في إسرائيل.
كما ان غانتس ركز خلال الأيام الاخيرة على ان العملية العسكرية في رفح ستبدأ حتى خلال رمضان بعد إجلاء السكان إن لم يتم التوصل إلى صفقة، كما أعلن أن “مهمتنا السيطرة الأمنية الكاملة على غزة ولا نريد سيطرة مدنية فقط”.
وهدد بأننا “سنعمل في جنوب لبنان كما نتحرك في غزة، وإسرائيل ستوسع نشاطها العسكري لإزالة تهديد حزب الله ما لم يعمل المجتمع الدولي ولبنان على إزالته”.



