كتبت فاطمة حوحو لأخباركم- أخبارنا: جديد المخرج يحيي جابر على مسرح المدينة، عرض ممتع مع الممثلة المبهرة أنجو ريحان، في مسرحية “شو منلبس”، هذه المرة لم يحك حكايات أهل بيروت أو الضاحية أو بعلبك أو الأشرفية، لم يتحدث عن الطوائف الدينية والمذهبية، بل عن “الطائفة” الشيوعية، كشف قصصها وحكاياتها في زمن يخوض فيه اللبنانيون صراعهم من أجل الاستمرار في الحياة، بينما هناك من يريد لهم الفناء. هناك عدو، ومن يدعي إنه عدو العدو، فيغامر على طريقة “عنزة ولو طارت”، ويلبسنا حربا شياطينها معروفة.
على مدى حوالي ساعتين، تمسك أنجو ريحان بالنص وتتقن لعبة التعبير والأداء بلغة وحركة الجسد. مجموعة شخصيات في شخصية واحدة، تارة تضحكنا ساخرين من وجع، وتارة أخرى تبكينا من فرح.. تذكرنا بما كان عليه واقع الجنوب اللبناني في سنوات الثمانينيات، العام 1983 محطة، تملأ مساحة المسرح الخالية إلا من ديكور بسيط، سيبة خشبية بسيطة من طبقتين، علاقة ثياب، روب نوم، معطف، ستار من قماش أبيض وإيشارب باللون نفسه، تطوعه الممثلة بين يديها ليكون أبلغ تعبير عن اللباس، فهو جريدة، وورقة رسالة، وحجاب، وغطاء رأس للراهبة، وليفة حمام، وتنورة قصيرة لمراهقة تحلم بإغواء فتى أعجبها.
أنجو هنا هي الطفلة يارا، الوالد يوسف، الوالدة نجوى، الجارة، الراهبة، ومعلمة الدين الإسلامي، الصديقة منال، التلميذ صديق الدراسة، المهجرة صاحبة البيت في “الرميلة”، السيدة السويسرية “كلير” مندوبة الصليب الأحمر الدولي… كل هؤلاء الشخصيات تجسدها الممثلة، وتأخذنا إلى ذلك الزمن القريب/البعيد، عندما كان الشيوعيون اللبنانيون أبطال المقاومة، ومنظرو واقع الحال، والداعين إلى لبنان ديموقراطي.. من دون أن يمارسوا تلك الديموقراطية، هم الذين كانوا يخبئون السلاح ويظهرونه بوجه العدو، هم اعتقلوا في “مخيم أنصار” و”عتليـت”. كانوا جزءا لا يتجزأ من أهل الجنوب، قبل أن تتم مذهبته وتفريغه من أهله وذويه، وهم من هجروا وتعرضوا لموجة من الاغتيالات التي طالت مناضلين معروفين منهم.
هي قصة بلدة “الرميلة” المسيحية، بلدة إلياس عطا الله (زعيم من الحزب الشيوعي اللبناني في حينه)، التي تحولت تحت قيادته جمهورية مارس فيها المهجرون من شيوعيي الجنوب الشيعة حريتهم، ولاحقتهم إسرائيل حتى دمرت مركز قيادتهم المتعددة الانتماءات الطائفية فوق رؤسهم. أسماء الشهداء لم تنس، ما زال صداها يتكرر في الأسماع والذاكرة.. لكن المشروع انتهى.. وكل الهنهنات والتنهدات كالبكائيات التي قد تشفي لكنها لا تجدي.. لكون القرار لم يتخذ في توقيته الصحيح، ولأن التخلي لم ينقذهم من آلة الطحن والمصادرة، فبقيت هموم الشيوعيين شاخصة ليتأقلموا مع الواقع الذي يجعلهم في حالة من الازدواجية، تعكسها بوضوح فكرة “شو منلبس”، ففي “قرية النهر”، التي ترمز الى بلدة جنوبية، تتأقلم الفتاة الشيوعية مع فكرة الحجاب وعدم ارتداء مايوه السباحة، لكنها عندما تنتقل إلى العيش في “الرميلة” تنقلب الآية، هناك فسحة حرية لارتداء لباس بحر من قطعتين، والتمتع بحفلات أعياد الميلاد، دون الحاجة لجدال حول اللباس المفترض، فاللباس في المسرحية هو تعبير عن الأفكار عن المفاهيم والعادات، عن القمع والحرية، عن الانسجام مع الآخر والخوف منه.
مسرحية “شو منلبس” توغل في نكء الجراح، وتقول بشجاعة، عودنا عليها يحيى جابر، ما كان مستورا ويراد له أن يبقى في سراديب النسيان، وإن كان تذكره لن يغير شيئا من الواقع، إلا أنه يضىء على المسكوت عنه.
“شو منلبس” وثيقة مسرحية تنتصر للمسرح السياسي، حين تضطلع بمهمة محاكمة افتراضية لجيل ولتيار ولمرحلة سياسية ما زالت تداعياتها تتفاعل أمامنا. محاكمة ينصهر فيها المتهمون مع الضحايا، مع المحققين والقضاة ومدعي الحق العام وهيئة المحلفين.. لكن أينهم يا ترى المحامون من هيئة الدفاع؟!
هنا يحق لنا بهذا الصدد أن نتساءل عن “المحاكمة العادلة” التي قدمها الثنائي يحيى جابر/أنجو ريحان، في مجرى وقائع تنتهي بإقرار الهزيمة الناصعة، التي جاءت على لسان فيروز، في مسرحية “أيام فخر الدين”:
(بيّي راح مع هالعسكر
حمل سلاح راح وبكّر
بيّي علّا.. بيّي عمّر
حارب وانتصر بعنجر)
إلا أن يحيى جابر عمد إلى تحوير لفظ النصر إلى هزيمة، لتصير الأغنية الأسطورية: (… حارب وانهزم بعنجر)…
وكأنه يقف ويستوقف باكيا مستبكيا، كما الشاعر العربي القديم امرؤ القيس، ليصرخ في وجوهنا ويسمي الأشياء بمسمياتها، وأن انتصاراتنا ليست سوى هزيمة مستمرة… فلم السؤال عما نلبسه؟ ونحن في حاجة للتجرد وللتعرية وللاغتسال من الأدران العالقة بالعقول والوجدان المنكسر. أم أن الإبداع الأصيل حين يجنح للحقيقة يكون “شهادات ووثائق لخدمة تاريخ زماننا”، كما أكد ذات مرة الكاتب المصري صلاح عيسى؟!!



