كتب الدكتور كاوه محمود سكرتير الحزب الشيوعي الكوردستاني: في زيارتي الأخيرة الى الصين نهاية شهر مارس من هذا العام، بدعوة من دائرة العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي الصيني، كان الحديث حول أوضاع القوى اليسارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وكان السؤال الأساسي كالتالي:
كيف تقيمون الوضع الحالي للقوى اليسارية في الدول العربية وكيف ترون مستقبل هذه القوى؟
كيف يمكن للأحزاب اليسارية أن تلعب دورا نظريا وسياسيا أكبر مما لعبته بالفعل.
فيما يلي مضمون الإجابات:
لا يمكن الحديث عن الوضع الحالي للأحزاب اليسارية في غرب آسيا وشمال أفريقيا ومستقبل النضال السياسي لهذه القوى والأحزاب بمعزل عن الحديث عما يجري من تطورات نوعية في العالم، خاصة في هذا الوضع الذي يتعاظم فيه بؤر التوتر وتزداد أسباب النزاعات والأزمات نتيجة لعدد من الأسباب، منها:
- فشل المجتمع الدولي والأمم المتحدة في حل المشاكل والأزمات بالطرق السلمية، وعدم وجود آليات لتطبيق الشرعية الدولية على أرض الواقع.
- تراجع الاتجاهات الفكرية الداعية الى الحداثة والتنوير، وتفاقم الأزمات الرأسمالية، في وقت تتزايد هيمنة القوى الدينية السياسية.
- ضعف اليسار في العالم وعدم وجود رؤى ومواقف مشتركة من المتغيرات. على سبيل المثال، هناك ثلاثة مواقف مختلفة للأحزاب اليسارية والشيوعية بشأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا. البعض يدعم الجانب الروسي والبعض الآخر يدعم الجانب الأوكراني. موقفنا ضد الحرب وقريب من موقف الحزب الشيوعي الصيني. موقفنا يرتكز على آراء لينين في مؤلفه (افلاس الأممية الثانية). للقوى الشيوعية واليسارية في المنطقة العربية موقفان من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. موقف مع الشرعية الدولية وحل الدولتين، أي وجود دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية وإحلال السلام بينهما. وهناك موقف آخر وهو الذي لا يؤيد وجود دولة إسرائيل ولا يؤمن بقرار التقسيم الذي اعتمدته الأمم المتحدة في عام 1948. نحن في الحزب الشيوعي الكوردستاني نؤيد حل الدولتين.
- دور وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في الترويج لخطاب شعبوي مبني على رفض الاخر وعدم القبول به، وتوجه المراكز الرأسمالية والرأسماليات التابعة هذا الخطاب لعرقلة عملية التغيير.
- تزايد هيمنة القوى اليمينية في الدول الأوروبية، مثل السويد والدنمارك وهولندا والمجر وإيطاليا.
- عدم وجود قراءة شاملة لليسار حول الوضع السياسي والاقتصادي والطبقي في المراكز الراسمالية و الراسماليات التابعة، مما أدى إلى عدم وجود سياسة بديلة، وجعل الفراغ السياسي الموجود، الوضع أكثر ملاءمة لنشاط الفاشيين القدامى والجدد والقوى التي توظف الدين في العمل السياسي. لقد أدى الفراغ السياسي إلى تصدر التنظيمات المتطرفة والإرهابية المشهد السياسي وأصبحت لديها القدرة على توجيه الأحداث، في حين أن القانون الدولي والنظام الدولي الحالي مشلول وغير قادر على مكافحة الإرهاب و معالجة اسبابه.
وهكذا فإن المنطقة، التي هي جزء من العالم في القرن الحادي والعشرين، تعيش حالة من الفوضى والاضطراب العام.
غير أن الوضع الحالي لا يتسم بالثبات و الركود. ففي ظل هذه التناقضات التي اشرنا اليه هناك متسع واسع و كبير لتفعيل النضال العملي و تنشيط الدور النظري استنادا الى أسباب عديدة منها: - اتساع الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، والفجوة الموجودة بين الجنوب والجنوب، حيث يجب ان نميز بين جنوب نام مثل الصين وجنوب مثل الشرق الأوسط الذي يعاني من أزمة تنمية رغم وجود مستلزماته المهدورة.
- التأثير السلبي للأزمة الرأسمالية العالمية على أوضاع الطبقة الوسطى في العالم، نتيجة التخلي عن مفهوم (دولة الرفاه) في الغرب واتباع سياسة الليبرالية الجديدة في الشرق الأوسط في ظل راسماليات تابعة للمراكز الراسمالية ومتخلفة في وتائر نموها.
- تصاعد الحركة الاحتجاجية على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في العالم وفي منطقتنا، في ظل غياب برنامج واقعي لليسار، يعتمد على طرح برامج بديلة لحل الأزمات وتحول دون قيام تنظيمات فاشية ومتطرفة وإرهابية جديدة من انتاج نفسها لتساهم في تعميق الازمات وتعالج ازمة باخرى.
إن ما اشرنا اليه من أوضاع معقدة ومتشابكة لا يعني النظر الى المستقبل بتشاؤم. فما موجود من أزمات ليس نهاية التاريخ، ومن الممكن ان تكون التحليل الصائب والقراءة العلمية الواقعية ومتابعة الفرز الطبقي الجديد والقوى الاجتماعية الناشئة ووضع السبل الجديدة لديمومة العمل السياسي والنظري، عوامل أساسية تفتح فرصا جديدة للتغيير.
وحتى يتمكن اليسار في منطقتنا بشكل عام واليسار في الدول العربية والعالم من استغلال الفرص الجديدة والنشاط في ساحة النضال السياسي والنظري، لا بد من التأكيد على النقاط التالية: - استعداد القوى اليسارية في المنطقة العربية مراجعة خطابها السياسي وما تحتويه من مقولات نظرية واطروحات سياسية دوغمائية أثبتت الحياة خطأها، لكي تساعد على طرح موقف واضح غير ملتبس وغير ضبابي من الأنظمة الأوليغارشية والديكتاتورية والاستبداد السياسي بشكل عام.
- الحفاظ على الاستقلال السياسي عند اتخاذ المواقف من القضايا والأحداث في المنطقة والعالم، واليقظة الفكرية في التعامل مع الاستقطابات الإقليمية والدولية التي تدور في دائرة الخيار الراسمالي رغم تناقضاتها الحالية وهي تهدف الى جر قوى سياسية في المنطقة الى حروب بالوكالة لا تخدم قضايا التحرر والتقدم الاجتماعي والتنمية، والتاكيد على البديل الذي يركز على ربط الامن العالمي بالتنمية العالمية وفق ارادات مستقلة والتاكيد على مجتمع المصير المشترك للبشرية والاستفادة من حديقة الحضارات العالمية.
- مراجعة المصادر النظرية للفكر اليساري والتقدمي، للتحرر من الانشداد للماضي وكافة الظواهر الدوغمائية.
- التأكيد على التقييم النقدي والتخلي عن كل الافكار والاتجاهات التي اثبتت الحياة خطأها، ومراجعة اشكال النضال بما ينسجم مع طابع العصر وبما يعزز التناغم والتعايش المشترك واحترام إرادة الشعوب وخياراتها.
- التأكيد على الحوكمة الحزبية والحوكمة التشاركية وتفعيل دور أعضاء الحزب ومنظماته والاستعانة بالمثقفين والمفكرين اليساريين عند دراسة المستجدات وبلورة المواقف واتخاذ القرارات.
- البحث في الفرز الطبقي الجديد على مستوى المجتمعات المحلية والعالمية وإجراء بحوث حول تكوين الطبقات المهمشة وربط الصراع الطبقي بقضايا النضال في مجالات النسوية والبيئة والمساواة بين الجنسين.
وفي النهاية، لا ينبغي لليسار أن يكون أمامه خيار سوى النضال.



