كتب ميشال ن. أبو نجم لأخباركم أخبارنا
مزيجٌ من مصطلحات وخطاب وخصائص مرحلة في حد ذاتها، عاد إلى الظهور في خطاب التيار الوطني الحر ولكن بحلّة الحاضر وأزماته. ففي حين تذكّر مساعي الغرب المحمومة لتصفية القضية السورية في لبنان، بما حصل في السبعينات مع الوجود الفلسطيني، بما هو نتيجة للسياسات الغربية في إنشاء إسرائيل، فإن مقاربة التيار الوطني الحر للنزوح والسعي للعودة، تتقاطع إلى حد كبير مع ما واجهه في التسعينات مع السيطرة العسكرية والأمنية والسورية.
على أن المعضلة اليوم وجودية وأخطر بكثير. الجيش والمخابرات سُحبا بقرار سوري نتيجة ضغط أميركي – فرنسي. لكن عودة أكثر من مليوني سوري مع نسبة مواليد مرتفعة، تتطلب شبكة معقدة من القرارات والإجراءات، مرتبطة أساساً بمصالح الناظم الدولي الحاكم والناظم لخرائط المنطقة ومصير مجتمعاتها، إلى حدٍ كبير.
وحتى في الشعارات والمصطلحات، بات “التيار” أمام مرحلة شبيهة بفترة 1990-2005، ولو بأوجه مختلفة. فها هو رئيس “التيار” جبران باسيل يسلِّط الضوء على “الوجود غير الشرعي” للنازحين، بما يذكر بمواجهة الشعار الشهير “شرعي – ضروري – مؤقت” الذي رفعته السلطة السورية وامتدادها في لبنان، إزاء تصاعد الإعتراض على الهيمنة الأمنية والسياسية. وسوف يكون تأكيد نزع الشرعية عن هذا الوجود والتشديد عليه بما يخدم تطبيق القوانين اللبنانية، شعار المرحلة الجديدة من خطوات “التيار”، التي تتواكب مع تحركات مناطقية ميدانية.
وإذا كان “الوجود غير الشرعي” عنواناً للتوصيف ومن ثم المبادرة إلى التنفيذ، فإن مشهد القرار الدولي وتحديداً الأميركي، في منع العودة أو السماح بها، يلقي بظلاله على واقع النزوح ومصيره. ومن هنا، وأيضاً بسبب الواقع الصعب الذي لا ينكره أحد لتحقيق عودة فعلية لعشرات الآلاف من النازحين، فإن قراءة “التيار” تربط بين تأثيرات القرار الخارجي – الأميركي – الأوروبي، بالنجاح العملي للعودة، وبالواقع الداخلي.
ضمن هذه القراءة يمكن استخلاص الكثير.
أولاً هناك الواقعية في التوصيف والقراءة، والمصارحة مع الشعب اللبناني من دون قفازات، أو مزايدات في غير مكانها، وخاصة عندما تأتي بحسب أوساط “التيار” من قوى سياسية كانت منخرطة في الصراع السوري، والأهم الرهان على إسقاط النظام في فتراتٍ وجيزة، فاستعملتْ ورقة النزوح إلى حدٍ كبير. وبالتالي فإن واقعية التوصيف، تقود إلى تحديد الخطوات الممكنة، والناجحة ولو صغيرة في لائحة من الإجراءات على مستوى البلديات والأجهزة الأمنية والعسكرية. وهذه الخطوات تتوازى مع استنهاض شعبي ومجتمعي للمواكبة، والتحفيز على حماية وجود الأرض والشعب في وجه مخطط دولي خطِر.
لكن هذه الواقعية، بتداعيات التحديد لمشهد العلاقات الدولية والموازين، لا تنفي تحفيز المواجهة.
ففي سياق استحضار تجربة “التيار” في قيادة الشارع في وجه السيطرة السورية من 1990 إلى 2005، تأكيد التراكم الذي بُني عاماً بعد عام، وتجربةً بعد تجربة، ربما لا تعرف شرائح لبنانية واسعة أنها حُفرت يومياً بالجهد والنضال والسجن، والأهم ابتكار الأفكار وتطويرها لتحفيز المجتمع على المقاومة وخلق الوعي.
والمراقبون والمنخرطون في تلك التجارب التي لم يُكتب عنها الكثير، لا ينسوا أن تظاهرات كبرى وصدامية مع قوى الأمن، نُظمت بالتزامن مع زيارات وزراء خارجية غربيين، ومسؤولين دوليين، أو في لحظة تحركات في الخارج، لإبقاء القضية اللبنانية حية ولفت الأنظار إليها.
وكذلك، الأرشيف موجود لجهة تأكيد العماد ميشال عون، أن إخراج سوريا (العسكرية بالأمس، والديموغرافيّة اليوم) لن يحصل إلا بتقاطع الإرادتين، اللبنانية والخارجية. فلا أوهام، إنما بناء على الوقائع، ولكن على المثابرة أيضاً، وحس المواجهة المترسخ في وجدان كوادر “التيار” ومناصريه.
فهل تصدق مرة جديدة عبارة “إن العمل الذي بدأتموه لن ينتهي إلا بتحقيقه فإلى اللقاء”، التي كتبها ميشال عون عشية نفيه إلى مرسيليا، واعتَبر أنه جسدها في 26 نيسان و آيار 2005؟



