كتب عبد الرحيم التوراني لـ أخباركم – أخبارنا
لم تكن نتائج الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية في فرنسا، يوم أمس الأحد (30 حزيران 2024)، مفاجئة بالمرة للمتابعين، إلا لذاك الذي كان تائها يتابع تطورات الأمور بنصف عين، وعندما فتح عينيه بسعتهما صعقه ما أبصره من مشهد انقلابي لم يتوقعه حتى في أحلك كوابيسه المفزعة.
ولعل من يأتي في مقدمة هؤلاء التائهين المصعوقين، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ذاته، بكامل دهائه السياسي ومكره المكيافيلي، هو من دعا إلى انتخابات مبكرة، بعد أن فاجأته هبّة اليمين المتطرف في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة، باستقطابه لنسبة 40% من المقاعد الفرنسية بالبرلمان الأوروبي.
فور إعلان نتائج انتخابات السلطة التشريعية في الاتحاد الأوروبي، سارع ماكرون إلى توجيه خطاب مقتضب للفرنسيين، أبرز ما جاء فيه دعوته التي يكفلها له الدستور الفرنسي، بحل الجمعية الوطنية والذهاب إلى إجراء انتخابات تشريعية جديدة نهاية شهر حزيران (2024). الأمر الذي لم يكن مرتقبا، بل إنه شكل – كما أراد ماكرون- مباغثة للطبقة السياسية وإرباكا لانتظاراتها، فيما اعتبر مغامرة غير محسوبة، وزلزالا يتمخض لهز أركان “الجمهورية الخامسة”، من شأنه تعميق الأزمة السياسية في البلاد عوض إبتداع حلول لانفراجها.
لقد أخطأ ماكرون بدل أن يصيب، عندما تصور أنه بدعوته المفاجئة سيربك المشهد الفرنسي، ليعيد على راحته تنظيم أوراق اللعبة السياسية بعد خلطها لصالحه. ولم يخطر بباله مثلا أن قوى اليسار ستكون جاهزة بأقصى سرعة لرص الصفوف عبر إعلان تحالفها ضمن ما سمي بـ”الجبهة الشعبية الجديدة”، التي طرحت على الناخبين برنامجا انتخابيا جاهزا ومتكاملا في إجاباته على الأسئلة المطروحة عند الفرنسيين…
كما أن تصورات إيمانويل ماكرون الذاتية، سواء حول وزن وقيمة تشكيله الحزبي مع حلفائه، أو حول صورته القيمية في الساحة الشعبية، لم تكن صورة حقيقية، وإنما هي عبارة عن مرايا مغشوشة، مثل مرايا كاريكاتيرية أو ساحرة، تعكس ظلالها الخادعة صورة القط أسدا، وإلا ما كان ماكرون يفمر في الإقدام على مغامرته غير المحسوبة، التي كشفته عاريا أمام نفسه وأمام الموالين والأصدقاء قبل الخصوم.
بمجرد إعلان تقدم التجمع الوطني بزعامة مارين لوبين ورئاسة جوردان بارديلا، عجت مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات الإرسال التلفزيوني بالندوات وبرامج الآراء والتحليلات، واختلفت الأسباب كما التوقعات لدى كل محلل، حسب الموقع السياسي والإيديولوجي الذي يتكلم منه، ما بين يمين ويسار بكل الأطياف. ولعل السؤال العريض كان:
- لماذا تحقق هذا النجاح المبهر لمعسكر اليمين المتطرف؟ ولماذا لم يتقدم اليسار المتحالف في الجبهة الشعبية الجديدة؟ وكيف تراجع اليمين التقليدي؟
ولم يطرح بالصيغة الجادة سؤال تقهقر حزب ماكرون، ربما لأن الموتى لا يسأل عنهم إلا بعد انجلاء غبار المعارك. وهذا ما سيحدث مع “الماكرونية”، التي تعد في نظر كثيرين السبب المباشر في اعتلاء مارين لوبين ليلة النتائج، منصة مقر معسكرها الانتخابي، رافعة علامة النصر بيمناها، راسمة ابتسامة عريضة تكاد تمزق وجهها المتغضن، تتمايل مع جمهورها في رقصة الابتهاج بالنصر المحقق، والطمع في المزيد…
إن السياسة “الماكرونية” هي من منحت لجوردان بارديلا كل هذه الثقة الزائدة، ليتكلم بصيغة تمتح من قاموس الملكية البائدة: “أنا هو فرنسا، وفرنسا هي أنا”، عندما صرح أنه لن يقبل برئاسة الحكومة الفرنسية إلا بحصول حزبه على الأغلبية المطلقة في نهاية الأسبوع، أي بعد إعلان نتيجة الدورة الثانية في السابع من تموز الحالي.
وسياسية ماكرون وعنترياته البهلوانية هي التي خذلت الجمهوريين داخل اليمين التقليدي، كما كادت حرائقها تمسك بتلابيب اليسار، ما أدى بكثيرين إلى منح أصواتهم لمرشحي اليمين المتطرف، عقابا لماكرون، ومن خلاله عقابا مضاعفا للطبقة السياسية المتعاقبة على حكم فرنسا، من اليمين الجمهوري إلى اليسار ممثلا في الاشتراكيين.
لقد بنى ماكرون سياسته الحزبية الماكرونية على أساس ومنطق “لا يمين ولا يسار”، وبدا له في لحظة ما أن التوفيق حالفه في مسك العصا من الوسط، فتحقق مشروعه النبوئي بعكس ما أراده، تراجع اليسار، وتقهقر اليمين الجمهوري، وضرب هو على قفاه بالعصا المصنوعة من خشب اصطناعي خالص، من ماركة مسجلة باسم “المكرونية”.
لذلك ليس مفاجئا أن تجد فئات مختلفة الأعمار غيرت تصويتها، وبعد أن كانت تدلي بثقتها في السابق لصالح اليسار أو لفائدة اليمين الجهوري، لجأت هذه المرة لإلقاء كل آمالها على كاهل لوبين وعلى عاتق بارديلا، بالرغم من أن برنامج التجمع الوطني لا يجيب عن الأسئلة الحقيقية المطلوبة والملحة للناخب الفرنسي، وبالأخص منه الفرنسي العادي البسيط. فما قدمته لوبين وبارديلا كان عبارة عن سيل شلال من الشعارات البراقة، والتحذيرات والمخاوف من اكتساح المهاجرين وثقافاتهم المهددة للوجود الفرنسي الأصيل، وفي المقدمة المهاجرون العرب والمسلمون، (حيث مشهد الحجاب لدى النساء يجتاح الشارع الفرنسي مثلا). وأيضا خطابات من السباب والتنقيص من المنافسين الخصوم في “الجبهة الشعبية الجديدة”، وفي جون لوك ميلنشون وحزب “فرنسا الأبية” خاصة.
لقد كان تركيز التجمع الوطني عاليا في الاستفادة من وسائل الإعلام الجديد، وفي استغلال مواقع التواصل الاجتماعي، فجوردان بارديلا تمكن من استقطاب جمهور واسع من الشباب، أعداده بالملايين، عبر “التيك توك” و”الفيس بوك” مع “الأنستغرام”.
ولم تنقص الشعارات معسكر اليمين المتطرف، إذ تزخر بها أدبيات الأب المؤسس جان ماري لوبين، ويزخر بها المعجم العنصري لأمثال إريك زمور وغيره، إضافة إلى قواميس من ما حققه نظراؤهم في أكثر من بلد أوروبي، هي الشعارات التي قامت لوبين بتخفيف حرارة طعمها في اللسان، وتذويب مرارة مذاقها حتى يتمكن الناخب البسيط من ابتلاعها ومضغها، ناهيك عن اختطافها لشعارات يسارية ووسطية بعد تفريغها من مضامينها، والرد على من شيطنوا معسكرها.
أيضا لا يجب أن نهمل أن أصواتا كثيرة ذهبت للتجمع الوطني، أصحابها ليسوا عنصريين ولا يشاطرون بالضرورة الإيديولوجيته الواضحة لهذا الحزب، والتي تنهل من معين التطرف اليميني الصرف، بل إن فكرة التغيير، وروح العقاب الانتقامية، والأمل في التجريب، هي الدوافع المباشرة التي استولت واستحوذت على المشاعر بشكل عاطفي، ووجهت خطواتهم صوب مكاتب الاقتراع للتصويت لفائدة حزب لوبين…
وإلا كيف يمكن فهم أو شرح التصويت الاستثنائي لفرنسيين من أصول مغربية وجزائرية ولبنانية لحزب لوبين وبارديلا؟
جوردان بارديلا المتحدر من أصول إيطالية، لا يخلو حمضه النووي من جينات عربية أو أمازيغية، فجده من والدته جزائري الأصل، غير أن هذا الشاب الطموح، ذو الثمانية والعشرين عاما، الذي هجر دراسة الجغرافيا ونزح إلى تخوم التاريخ طمعا في دخوله من أوسع الأبواب، لا يحب أبدا الحديث عن أصوله الإيطالية، أو الإشارة إلى “جزائريته”، ونجد هنا أن بارديلا يتقاطع مع إريك زمور، بعد اتفاقهما في التطرف والعنصرية، إذا علمنا أن زمور من يهود الجزائر، لكنه لما انتقل إلى فرنسا وحصل على جنسيتها صار يزايد على الفرنسيين، بل ويطالب بطرد المهاجرين.
ليس هنالك من شكوك كبيرة في وصول جوردان بارديلا إلى قصر “ماتينيون”، وولوجه هذا الصرح كوزير أول لفرنسا، معيدا بذلك تجربة ما أطلق عليه في حكومات سابقة في عهد الرئيس شيراك بـ”التعايش”، أي تعايش رئيس مع وزير أول كل منهما من معسكر سياسي مختلف، كما سيشكل وصول اليمين المتطرف إعادة لمرحلة تاريخية وصل فيها اليمين المتطرف خلال الحرب العالمية الثانية لقيادة فرنسا، ودعم النازية…
لكن ما هو أخطر من كل هذا وذاك، هو أن ما يحصل حاليا في فرنسا، يعد مؤشرا يهدد قيم وأسس “الجمهورية الخامسة”، وبالتالي يطرح بلد الثورة الفرنسية ووطن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وملاذ اللاجئين والمهاجرين، في موازين تتأرجح باتجاه إفلاس التاريخ… فـ”نهاية التاريخ” سوف لن تكون نسخة واحدة موحدة، بل هي متعددة الأوجه والاحتمالات، وحكم اليمين المتطرف من نهاياتها الفجائعية المعلنة.
ولمن يتمسكون بشيء من التفاؤل، كأن يحقق اليسار مساء الأحد المقبل خطوة ما قد تقلب الميزان، لا نملك لهم أية بشارة، في وقت لا يملك فيه اليسار “رفاهية الوقت”… ولا دعوة ماكرون الانتهازية إلى “تحالف جمهوري وديمقراطي واسع” بإمكانها تأكيد مواجهة حقيقية ضد الأنياب الشريرة لمدام لوبين الشرسة…
هل فات الوقت وصارت فرنسا على بعد قدم من عتبة زمن التراجع والخذلان..
هل نعلنها ونقول: ها هو اليمين المتطرف عليكم يا رعاة التشاؤل؟
لكن مهما كانت النتيجة يظل التفاؤل قائما، والانتصار مؤجلا..
وتبقى الحياة جديرة بكل الأمل والنصر، ومهما تقلصت فسحة هذا الأمل لا بد أن تتسع وتكبر ويتحقق النصر.
فرنسا العميقة تصيح اليوم: “لا للتطبيع مع الهزيمة وأجراس الخسارة ولا لضجيج التخاذل والاندحار”.



