أخباركم – أخبارنا
كتب جميل نعمة لـ ” أخباركم – أخبارنا”
إذا كان معروفاً في الأوساط السياسية البريطانية، أنه من النادر أن تتغيّر سياسة بريطانيا الخارجية في ظل حكومة جديدة، فإن هذه السياسة ستبقى من دون تغيير لافت خلال التحوّل من حكم المحافظين إلى حكم حزب العمال. لكن ينبغي على حزب العمال أن لا يكرّس هذا المبدأ في السياسة الداخلية، لا سيما أن بريطانيا باتت متخمة بالأزمات المتلاحقة التي لم تترك لحكومات المحافظين إلتقاط أنفاسها، ولم تخولها إيجاد علاجات شافية لها، مما سرّع في رحيل المحافظين الذين كانوا يمنون النفس بـ “فترة سماح” على غرار ما كان يحصل في الانتخابات السابقة.
الانتصار الساحق تحقق، وفاز العمال بأغلبية كبيرة، لكن العبرة تبقى في تنفيذ الوعود الانتخابية والبرامج الاقتصادية، لانقاذ بريطانيا في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة، من براثن الازمات التي تهدد عدداً كبيراً من المؤسسات الحكومية والخاصة. فبريطانيا لا تعيش اليوم في أحسن أيامها بعدما نهشتها البطالة وارتفعت أرقام التضخم، وأضحت التكاليف اليومية خارجة عن السيطرة، وأثرت الحرب الروسية – الاوكرانية سلباً على شؤونها الداخلية، إلى جانب الأزمات الأخرى التي خلفت المزيد من المصائب على المواطن البريطاني.
ولا شك في أن فوز حزب العمال بأغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية، لم يأتِ من عدم، بعد فشل المحافظين في إيجاد الحلول الناجعة لأكثر من أزمة. وهذا ما دفع أكثرية الشعب البريطاني إلى التزام مبدأ التغيير، والتعبير عن تأييده المطلق اهذا التغيير المنتظر عبر الأكثرية المطلقة التي منحها إلى حزب العمال وحملت رئيسه كير ستارمر إلى مقر “داونينغ ستريت”.
حكومة جديدة
وكان ملك بريطانيا تشارلز الثالث قد عيّن رسمياً زعيم حزب العمال كير ستارمر رئيساً للوزراء خلال اجتماع في قصر باكينغهام.
ونشر القصر صورة تظهر الملك مصافحاً ستارمر الذي حقق حزبه فوزاً ساحقاً في الانتخابات التشريعية. كما جاء في بيان للقصر، أن الملك تشارلز استقبل كير ستارمر النائب في البرلمان وطلب منه تشكيل حكومة جديدة.
الرجل الغامض
إعترف أحد كتاب سيرة كير ستارمر الذاتية (61 عاماً) بأنه “من الصعب تحديد هويته “، حيث كان يستخدم هذا الغموض لصالحه في كل المراحل التي خاض غمارها.
محام بارز. كان مناهضاً للملكية، وفق تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”. شغل منصب محرر لمجلة “تروتسكي” في شبابه.
أول زعيم منذ جيل، يأتي من الطبقة العاملة في بريطانيا، حيث جاء بعد رئيس الوزراء ريشي سوناك الذي وجهت له تهم بأنه أكثر ثراء من أفراد العائلة المالكة؟!
خلال الحملة الانتخابية، قدم ستارمر نفسه قائلاً: “كانت أمي ممرضة، وكان والدي صانع أدوات”.
كما تحدث عن نشأته مع فواتير غير مدفوعة وانقطاع متكرر الهاتف.
تمكن من الالتحاق بمدرسة ثانوية راقية. كان من أوائل الأشخاص الذين التحقوا بجامعة ليدز، ثم قضى عاماً في جامعة أكسفورد.
وفيما يقول ستارمر إن والده شعر “بعدم الاحترام” بسبب عمله في أحد المصانع، وإنه كان بعيداً عاطفياً عنه. وبصفته أباً، حاول “تخصيص وقت للأطفال”، والتوقف عن العمل أيام الجمعة عند السادسة مساء.
قضايا مثيرة للجدل
في بداية حياته المهنية، إنضم ستارمر إلى شركة Doughty Street Chambers، المعروفة بتوليها قضايا حقوق الإنسان الكبيرة والمثيرة للجدل.
حارب عقوبة الإعدام في دول الكومنولث، ودافع وفق الصحف الشعبية، عن “قتلة الأطفال وقتلة الفؤوس”.
كذلك كان جزءاً من الفريق القانوني الذي دفع المحكمة الدستورية الأوغندية إلى إبطال الأحكام الصادرة في حق جميع الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام.
عمل ستارمر مجاناً مع إثنين من الناشطين النباتيين الذين وزعوا منشورات تتهم مطاعم “ماكدونالدز” بتدني الأجور والقسوة على الحيوانات ودعم إزالة الغابات. لكن المطعم رفع دعوى قضائية بتهمة التشهير، واستمرت هذه القضية والطعون العديدة فيها عقداً من الزمن، وهي واحدة من أطول المعارك القانونية في التاريخ البريطاني، حيث انتهت القضية بتسوية.
كما أشرف على أول محاكمة بريطانية لإرهابيي تنظيم القاعدة، ووجه إتهامات ضد سياسيي حزب المحافظين والعمال المتورطين في فضيحة النفقات المتفجرة، التي كشفت عنها الصحافة.
إتُهم مع عدد من المدّعين العامين بالتحيّز الشديد عندما تعاملوا بشدة مع الاعتقالات والتهم للأشخاص الذين قاموا بأعمال شغب في لندن بعد مقتل رجل أسود يُدعى مارك دوغان بالرصاص على يد الشرطة عام 2011.
حياته السياسية
لم يخض ستارمر غمار السياسة حتى بلغ الثانية والخمسين من عمره. كان ذلك قبل تسع سنوات فقط، في بلد بدأ فيه العديد من أعضاء البرلمان بالتخطيط لصعودهم إلى السلطة في أيام الدراسة الجامعية.
إنتخب لتمثيل منطقة هولبورن وسانت بانكراس في لندن في عام 2015 وعمل “وزير الظل” في المعارضة، نظراً إلى المهمة الناكرة للجميل المتمثلة في التفاوض على موقف حزب العمال الهشّ بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
كان ستارمر ضد مغادرة الاتحاد الأوروبي، لكن العديد من ناخبي حزب العمال كانوا يؤيدون ذلك.
فيما كانت التسوية الغامضة التي توصل إليها الحزب هي أنه ليس مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ولا ضده، ولكنه يريد إجراء استفتاء آخر. ربما ساهمت هذه القضية في خسارة حزب العمال الهائلة أمام المحافظين في عام 2019.
لكن بعد تلك الانتخابات، خرج زعيم حزب العمال جيريمي كوربين، ودخل ستارمر الذي شرع في إعادة تشكيل الحزب.
الوسطية “الناعمة”
إلى ذلك يشكك النقاد من اليسار في أن ستارمر لن يكون جريئاً عندما يصبح رئيساً للوزراء، لكنه سيلتزم بالوسطية “الناعمة”.
وسينصب الكثير من تركيزه على السياسة الداخلية في محاولة لدعم الاقتصاد البريطاني، ومعالجة شعور الناس بأن تكاليف المصاريف اليومية باتت لا تحتمل وخارجة عن السيطرة.
وعد بخفض تكاليف الكهرباء المرتفعة من خلال إنشاء شركة مرافق خضراء جديدة تديرها الدولة.
كذلك تقليل أوقات الانتظار للمواعيد الطبية وطب الأسنان.
وقال ستارمر في وقت سابق إن بريطانيا ستظل عضواً قوياً في حلف شمال الأطلسي، وستدعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وتدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد “حماس”، بينما يدعو إلى وقف إطلاق النار.
وعلى الرغم من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يُنظر إليه على أنه فشل، وعدم وجود حماسة لإجراء استفتاء آخر، فمن المحتمل أن تسعى بريطانيا تحت قيادة ستارمر إلى إقامة علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي.
التغيير… فوراً
في خطاب له كرئيس للوزراء من مقر الحكومة في داونينغ ستريت، وعد بأن تعمل حكومته العمالية منذ اليوم الأول على التجديد وإعادة بناء المملكة المتحدة.
كما أضاف بعد أن أنهى حزب العمال 14 عاماً من حكم المحافظين بفوزه الساحق في الانتخابات أن “التغيير يبدأ على الفور. لكن لا شك لدينا في أننا سنعيد بناء بريطانيا”.
استقالة سوناك
وفي وقت سابق، أعلن ريشي سوناك، خلال مؤتمر صحافي من مقر الحكومة في داونينغ ستريت، استقالته من رئاسة الوزراء ومن زعامة حزب المحافظين، بعد الهزيمة الانتخابية.
كما أضاف أنه يتحمل مسؤولية الفشل في الانتخابات، لافتاً إلى أن “حزب المحافظين سيحاول إعادة بناء ذاته بعد هذه النتيجة”.
الر جل الغامض
محامٍ. كان مناهضاً للملكية، بحسب تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”. شغل منصب محرر لمجلة تروتسكي في شبابه،
اعترف أحد كتاب سيرته الذاتية لستارمر بأنه “من الصعب تحديد هويته”، حيث استخدم هذا الغموض لصالحه.
من الطبقة العاملة
كما أن ستارمر هو أول زعيم منذ جيل جاء من الطبقة العاملة في بريطانيا حيث أتى بعد رئيس الوزراء ريشي سوناك الذي وجهت له تهم بأنه أكثر ثراء من أفراد العائلة المالكة.
خلال الحملة الانتخابية، قدم ستارمر نفسه قائلاً: “كانت أمي ممرضة، وكان والدي صانع أدوات”.
كما تحدث عن نشأته مع فواتير غير مدفوعة وانقطاع الهاتف.
سجل ستارمر نتائج جيدة في الاختبارات، وتمكن من الالتحاق بمدرسة ثانوية راقية. وكان من أوائل الأشخاص الذين التحقوا بجامعة ليدز، ثم قضى عاما في جامعة أكسفورد.
فيما يقول ستارمر إن والده شعر “بعدم الاحترام” بسبب عمله في أحد المصانع، وإنه كان بعيداً عاطفياً عنه.
وبصفته أباً، إعترف بإنه يحاول “تخصيص وقت للأطفال” والتوقف عن العمل أيام الجمعة عند السادسة مساءً.
حقوق الإنسان
أما حياته العملية كمحام، ففي بداية حياته المهنية، انضم ستارمر إلى شركة Doughty Street Chambers، المعروفة بتوليها قضايا حقوق الإنسان الكبيرة والمثيرة للجدل.
وقد حارب عقوبة الإعدام في دول الكومنولث، ودافع، على حد تعبير الصحف الشعبية، عن “قتلة الأطفال وقتلة الفؤوس”.
كذلك كان جزءاً من الفريق القانوني الذي دفع المحكمة الدستورية الأوغندية إلى إبطال الأحكام الصادرة بحق جميع الأشخاص المحكوم عليهم بالإعدام البالغ عددهم 417 شخصاً.
عمل مجاناً مع إثنين من الناشطين النباتيين الذين وزعوا منشورات تتهم مطاعم ماكدونالدز بتدني الأجور والقسوة على الحيوانات ودعم إزالة الغابات. في حين رفع المطعم دعوى قضائية بتهمة التشهير، واستمرت هذه القضية والطعون العديدة فيها عقداً من الزمن، وهي واحدة من أطول المعارك القانونية في التاريخ البريطاني وانتهت القضية بتسوية.
كما أشرف على أول محاكمة بريطانية لإرهابيي تنظيم القاعدة، ووجه اتهامات ضد سياسيي حزب المحافظين والعمال المتورطين في فضيحة النفقات المتفجرة، التي كشفت عنها الصحافة لأول مرة.
واتُهم هو والمدعون العامون معه بالتحيز الشديد عندما تعاملوا بشدة مع الاعتقالات والتهم للأشخاص الذين قاموا بأعمال شغب في لندن بعد مقتل رجل أسود يُدعى مارك دوغان بالرصاص على يد الشرطة في عام 2011.
عالم السياسة
لم يدخل ستارمر في السياسة حتى بلغ الثانية والخمسين من عمره. تم انتخابه لتمثيل منطقة هولبورن وسانت بانكراس في لندن في عام 2015 وعمل “وزير الظل” في المعارضة، نظراً إلى المهمة الناكرة للجميل المتمثلة في التفاوض على موقف حزب العمال الهش بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
كان ستارمر ضد مغادرة الاتحاد الأوروبي، لكن العديد من ناخبي حزب العمال كانوا يؤيدون ذلك.
فيما كانت التسوية الغامضة التي توصل إليها الحزب هي أنه ليس مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ولا ضده، ولكنه يريد إجراء استفتاء آخر.
ربما ساهمت هذه القضية في خسارة حزب العمال القاسية أمام المحافظين في عام 2019.
لكن بعد تلك الانتخابات، خرج زعيم حزب العمال جيريمي كوربين، ودخل ستارمر. وقد شرع في إعادة تشكيل حزب العمال.
الوعود تنتظر…
يشكك النقاد من اليسار، في أن ستارمر لن يكون جريئاً عندما يصبح رئيسا للوزراء، لكنه سيلتزم بالوسطية الناعمة.
وسينصب الكثير من تركيزه على السياسة الداخلية في محاولة لدعم الاقتصاد البريطاني ومعالجة شعور الناس بأن المصاريف اليومية والفواتير المكلفة أصبحت خارجة عن السيطرة.
وقد وعد ستارمر بخفض تكاليف الكهرباء المرتفعة عبر إنشاء شركة مرافق خضراء جديدة تديرها الدولة. كذلك سيسعى إلى تقليل أوقات الانتظار للمواعيد الطبية وطب الأسنان.
وقال ستارمر في وقت سابق، إن بريطانيا ستظل عضواً قوياً في حلف شمال الأطلسي، وستدعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا، وتدعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد “حماس”، بينما دعا إلى وقف إطلاق النار.
من المحتمل أن تسعى بريطانيا تحت قيادة ستارمر إلى إقامة علاقة أوثق مع الاتحاد الأوروبي. على الرغم من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يُنظر إليه على أنه فشل، وعدم وجود حماسة لإجراء استفتاء آخر.
إداري براغماتي
قبل أن يتولى رئاسة حزب العمال، تدرج ستارمر في مناصب متنوعة، من محام في مجال حقوق الإنسان إلى مدع عام للدولة.
كما أن الرجل البالغ من العمر 61 عاماً، يعد الزعيم “الأكثر انتماء إلى الطبقة العاملة من بين الذين تعاقبوا على رئاسة الحزب المعارض منذ عقود”.
ويصف بعض المنتقدين ستارمر بأنه “انتهازي”، لكن مؤيديه يصرون على أنه “إداري براغماتي يتعامل مع منصب رئيس الوزراء بالطريقة نفسها التي مارس بها مسيرته المهنية، من دون كلل وباستخدام الحجة القانونية”.
وسيشغل المحامي السابق منصب رئيس الوزراء، بعد 9 سنوات فقط على دخوله عالم السياسة، و4 سنوات على توليه منصب زعيم حزب العمّال.
منزل متواضع وحياة عادية
ستارمر يشجع فريق أرسنال لكرة القدم. يحاول رئيس الحكومة البريطانية المنتظر أن يكون مختلفاً بشخصية تميل للدعابة في مجالسه الخاصة.
لستارمر وزوجته فيكتوريا، التي تعمل في الخدمة الصحية الوطنية، إبن وإبنة في سن المراهقة.
وُلِد كير رودني ستارمر في 2 أيلول/سبتمبر 1962، ونشأ في منزل ضيق في ضواحي لندن برعاية أم تعاني من مرض خطير وأب بعيد عاطفياً.
تعلم ستارمر في المدرسة العزف على الكمان على يد نورمان كوك، عازف الغيتار السابق الذي أصبح منسق موسيقى مشهورا، وانضم إلى مدرسة موسيقى مرموقة في لندن خلال عطلات نهاية الأسبوع.
لقب “سير”
حصل على لقب “سير” من الملكة إليزابيث الثانية، لكنه نادراً ما استخدم هذا اللقب.
عام 2015 انتخب عضواً في البرلمان عن منطقة في شمال لندن، حيث تغلب على ناخبيها الميول اليساري.
قبل أسابيع فقط من انتخابه، توفيت والدته بسبب مرض نادر في المفاصل، جعلها غير قادرة على المشي لسنوات عديدة.
واقعة مؤلمة
بكى ستارمر عام 2021 خلال مقابلة تلفزيونية وهو يروي كيف “حطّم” وفاة والدته والده.
بعد عام واحد فقط من انتخابه عضواً في البرلمان، انضم إلى مجموعة من النواب المتمردين في حزب العمال ضد اليساري، جيريمي كوربن، متهمين إياه بالافتقار إلى القيادة خلال حملة الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
فشل التمرد في وقت لاحق من ذلك العام، لكن ستارمر إنضم مجدداً إلى فريق القيادة في حزب العمال بصفته متحدثاً باسم “بريكست”، وبقي يؤدي هذا الدور حتى خلافته جيريمي كوربن في قيادة حزب العمال.



