كتب مسعود محمد لـ “أخباركم – أخبارنا”
انتخاب بشير الجميل رئيسًا للجمهورية اللبنانية في 23 أغسطس 1982، جاء في وقت حرج من تاريخ لبنان، حيث كانت البلاد تعاني من حرب أهلية مستعرة، وكان الاحتلال الإسرائيلي قد بلغ ذروته بعد الاجتياح الذي بدأ في يونيو من نفس العام. هذا الانتخاب لم يكن مجرد خطوة سياسية داخلية، بل كان مرتبطًا بشكل وثيق بالتدخل الإسرائيلي في لبنان، وبتفاهمات سرية تمت بين بشير الجميل والإسرائيليين.
مقدمات الانتخاب والاجتياح الإسرائيلي
في يونيو 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان تحت ذريعة طرد منظمة التحرير الفلسطينية وتحييد تهديداتها لأمنها. هذا الاجتياح وصل إلى بيروت، وفرض حصارًا على العاصمة، مما أجبر منظمة التحرير على الخروج من لبنان. في هذا السياق، برز بشير الجميل، زعيم القوات اللبنانية، كمرشح قوي للرئاسة، مستفيدًا من علاقاته مع إسرائيل ودعمها له.
التفاهمات والاتفاقات مع إسرائيل
كان انتخاب بشير الجميل مرتبطًا بشكل وثيق بتفاهماته مع إسرائيل. قبل انتخابه، دخل الجميل في محادثات سرية مع الإسرائيليين، حيث اتفق الطرفان على عدة نقاط، أهمها:
- التحالف ضد منظمة التحرير الفلسطينية: كانت إسرائيل تسعى إلى إقامة نظام سياسي في لبنان يكون حليفًا لها، ويضمن طرد منظمة التحرير الفلسطينية وعدم عودتها. بشير الجميل وافق على هذا الطرح كجزء من التفاهمات مع الإسرائيليين.
- السلام مع إسرائيل: رغم أن بشير الجميل لم يلتزم علنًا بإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل، إلا أن المحادثات السرية تضمنت تفاهمًا ضمنيًا على تهدئة الأوضاع مع إسرائيل وفتح الباب أمام علاقات مستقبلية.
- الضمانات الإسرائيلية: في المقابل، قدمت إسرائيل ضمانات لبشير الجميل بالدعم العسكري والسياسي، بما في ذلك الضغط على الفصائل اللبنانية الأخرى لقبول رئاسته.
الفترة ما بين انتخابه واغتياله
الفترة التي تلت انتخاب بشير الجميل وحتى اغتياله كانت مضطربة ومليئة بالتحديات. رغم انتخابه رئيسًا بأغلبية برلمانية، كانت التوترات السياسية والأمنية لا تزال على أشدها. الجميل واجه ضغوطًا كبيرة لتنفيذ تعهداته تجاه إسرائيل، لكنه كان يدرك أن أي خطوة علنية نحو السلام مع إسرائيل ستؤدي إلى انفجار داخلي في لبنان.
هذا الصراع الداخلي والخارجي على حد سواء جعل موقف بشير الجميل هشًا، حيث سعى للحفاظ على توازن دقيق بين تطلعاته الوطنية والتزاماته تجاه حلفائه الخارجيين. كانت هذه الفترة قصيرة ومتوترة، وشهدت الكثير من التكهنات حول مستقبله كرئيس للبنان.
اغتيال بشير الجميل وأسبابه
في 14 سبتمبر 1982، أي قبل أيام قليلة من موعد توليه الرسمي لمنصبه كرئيس، تم اغتيال بشير الجميل في انفجار هائل استهدف مقر القوات اللبنانية في الأشرفية. واتهم باغتياله حبيب الشرتوني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، واتى الانتخاب بعد رفعه لشعار الـ10452 كلم مربع مما اقلق الاسرائيلي وشعر وكأن بشير تخلى عن تفاهمه معه وبالطبع لم يكن هناك رضى سوري فأدى تقاطع المصالح الى رفع الغطاء عنه واغتياله. الا ان مصادر مطلعة تقول ان الشرتوني ليس سوى خرق سوري وهو لم يكن مدفوعاً من الحزب، تكمن اهمية هذا الخرق ان شقيقته تسكن المبنى ذاته الذي يقع فيه بيت الكتائب والذي كان يأتيه بشير كل نهار ثلاثاء مما سهل مهمة اغتياله. اما ماذا يحصل بعد عملية الاغتيال فهذه براباغندا معروفة، بادئ الامر تبرئ منه الحزب القومي وعندما تبدل ميزان القوى تبناه، لكن الوقائع تبقى وقائع، الذي اغتال بشير هو النظام السوري، وشارون عندما ابلغ بالخبر قال لقد انهار الحلم.
التداعيات
اغتيال بشير الجميل أدى إلى سلسلة من الأحداث الكارثية. أبرزها كان مجازر صبرا وشاتيلا، التي يقول مصدر مطلع ان المسؤول عنها هي اسرائيل التي اوكلتها لجماعاتها في القوات اللبنانية وجماعة سعد حداد، بهدف ابادة الجنس الفلسطيني عدوها الاول والاوحد. ثمة سبب اخر لا يذكر كثيراً وهي ان اسرائيل احضرت قوة خاصة واغتالت عدد كبير من الكوادر المهنية من اطباء ومهندسين كانوا يسكنون في محيط صبرا وشاتيلا فاتت المجزرة للتغطية على فظاعة الجريمة
حيث قامت الميليشيات المدفوعة من اسرائيل بمجزرة في المخيمات الفلسطينية في بيروت الغربية، مما أسفر عن مقتل آلاف الفلسطينيين. هذا الحدث أثار استنكارًا دوليًا وأدى إلى تعميق الانقسامات الطائفية في لبنان.
سياسيًا، أدى اغتيال بشير الجميل إلى انهيار الآمال في تحقيق تسوية سريعة للصراع في لبنان. بدلاً من ذلك، دخلت البلاد في مرحلة جديدة من العنف والفوضى، حيث استمرت الحرب الأهلية لسنوات عديدة بعد ذلك.
انتخاب بشير الجميل واغتياله يجسدان لحظة معقدة ومأسوية في تاريخ لبنان. الفترة القصيرة التي تفصل بين انتخابه واغتياله كانت مليئة بالتوترات السياسية والطائفية التي تعكس الصراعات الأوسع التي كانت تمزق البلاد. ورغم الدعم الكبير الذي حصل عليه من حلفائه الخارجيين، إلا أن بشير الجميل لم يستطع الصمود أمام التحديات الداخلية، مما أدى في النهاية إلى نهايته المأساوية، تاركًا لبنان في حالة من الفوضى والدمار المستمرين.



