كتب مسعود محمد لـ “أخباركم – أخبارنا”
في ذكرى شهداء القوات اللبنانية، نستذكر مسيرة هذه الجماعة التي بدأت كميليشيا مسلحة خلال الحرب الأهلية اللبنانية وتحولت إلى قوة سياسية رئيسية في البلاد. تحت قيادتي بشير الجميل وسمير جعجع، مرت القوات اللبنانية بمراحل من التحولات الجذرية التي شكّلت دورها في المشهد اللبناني المعاصر. من تأسيسها وتوحيد الفصائل المسيحية تحت مظلة واحدة، إلى صراع القيادة والتحديات السياسية والعسكرية، نستعرض في هذا التقرير محطات بارزة من تاريخ القوات اللبنانية في ظل هذين القائدين.
بشير الجميل: المؤسس والقائد الأول
- التأسيس وتوحيد الفصائل: انضم بشير الجميل إلى حزب الكتائب اللبنانية في سن مبكرة، وبرز بسرعة كقائد شاب ذو رؤية تنظيمية وعسكرية. في عام 1976، وفي ذروة الحرب الأهلية اللبنانية، قام بتأسيس القوات اللبنانية كتحالف للفصائل المسيحية المسلحة، مركزًا على توحيد الصفوف وتعزيز القوة العسكرية للمسيحيين.

- القيادة السياسية والعسكرية: قاد بشير الجميل القوات اللبنانية في معارك حاسمة مثل معركة تل الزعتر، وأقام علاقات استراتيجية مع إسرائيل لتعزيز موقف القوات. في عام 1982، انتخب رئيسًا للجمهورية اللبنانية، لكن اغتياله في 14 سبتمبر 1982 قبل أن يتسلم منصبه شكل صدمة كبيرة وأثر عميق على مسار القوات اللبنانية.

الجملة الدقيقة التي قالها بشير الجميل هي: “نحن قديسو هذه الأرض وشياطينها، نحن قديسو السماء وشياطينها، إذا حُرمنا من العيش بكرامة في وطننا، فلن يهنأ عيش أي لبناني آخر في هذا الوطن.”
قال بشير الجميل هذه الجملة خلال خطاب ألقاه في 14 سبتمبر 1982، في كنيسة سيدة البير في بيروت، بمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد والده بيار الجميل. هذا الخطاب كان أحد خطاباته الشهيرة التي عبّر فيها عن فلسفته ورؤيته للوضع في لبنان خلال الحرب الأهلية، وذلك قبل اغتياله بأيام قليلة في 14 سبتمبر 1982، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية.
كلمة بشير الجميل الشهيرة “نحن قديسي هذه الأرض وشياطينها” تعكس جانبًا من رؤية بشير الجميل، قائد القوات اللبنانية والرئيس المنتخب للبنان الذي اغتيل عام 1982، للوضع في لبنان خلال فترة الحرب الأهلية. كانت هذه العبارة تعبيرًا عن المفارقة التي عاشها اللبنانيون في تلك الفترة، حيث وجدوا أنفسهم مضطرين للدفاع عن وجودهم بأي وسيلة كانت، حتى لو تطلب الأمر اللجوء إلى العنف.
العبارة تعكس مفهوم أن اللبنانيين كانوا في وضع استثنائي، حيث فرضت عليهم الظروف أن يكونوا حماة لأرضهم (القديسين) وأحيانًا منخرطين في أعمال قاسية (الشياطين) نتيجة للصراع المعقد والمتعدد الأطراف الذي كان يعصف بالبلاد.
الكلمة تسلط الضوء على التناقضات التي قد يعيشها أي شخص أو جماعة في ظروف استثنائية، حيث يكونون مجبرين على اتخاذ مواقف قاسية للحفاظ على كيانهم ووجودهم.
سمير جعجع: القائد والمجدد
- صعوده إلى القيادة: بعد اغتيال بشير الجميل، مرت القوات اللبنانية بفترة من الصراع الداخلي على القيادة. برز سمير جعجع كقائد قوي بعد صراع مع إيلي حبيقة، واستطاع في عام 1986 السيطرة على القوات اللبنانية وإعادة تنظيمها.
- التحديات والتحول السياسي: قاد جعجع القوات في حرب الإلغاء ضد الجيش اللبناني بقيادة ميشال عون، وواجه تحديات كبيرة بعد اعتقاله وحظر القوات في عام 1994. بعد خروجه من السجن في عام 2005، أعاد جعجع إحياء القوات اللبنانية كحزب سياسي مؤثر، حيث أصبحت تلعب دورًا رئيسيًا في المشهد السياسي اللبناني.

بين بشير الجميل، الذي وضع الأسس العسكرية والتنظيمية للقوات اللبنانية، وسمير جعجع، الذي قادها خلال أصعب فتراتها وحوّلها إلى قوة سياسية رئيسية، تستمر القوات اللبنانية في تمثيل المقاومة المسيحية والسيادة الوطنية في لبنان. في ذكرى شهدائها، نستذكر هذه المسيرة الحافلة بالتحديات والإنجازات التي شكّلت وجه لبنان الحديث.
قيل عنه المجرم وقيل عنه القائد الصامد بوجه الريح والحكيم حمل صليبه ومشى وتحمل تناقضات الحرب والسلام وواجه بكلا الحالتين.

سمير جعجع، كرئيس حزب القوات اللبنانية، قدّم العديد من الخطابات والبيانات التي تعبر عن مواقفه الصارمة فيما يتعلق بمسائل المقاومة والسيادة الوطنية. فيما يلي بعض الأمثلة الملموسة على تصريحاته حول هذه الموضوعات:
- موقفه من سلاح حزب الله:
- في العديد من المناسبات، أكد جعجع أن سلاح حزب الله يجب أن يكون تحت سيطرة الدولة اللبنانية. على سبيل المثال، قال في تصريح شهير: “لا يمكن أن يكون في لبنان جيشان أو سلاحان. يجب أن يكون السلاح حصراً بيد الدولة اللبنانية، وإلا فإننا نعيش في حالة من ازدواجية السلاح التي تضعف الدولة.”
- عن المقاومة وسيادة لبنان:
- في خطاب ألقاه في ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل عام 2018، قال جعجع: “لا يمكن لأي مقاومة أن تكون خارج إطار الدولة اللبنانية. كل مقاومة يجب أن تكون منضوية تحت لواء الدولة اللبنانية، وقرارات الحرب والسلم يجب أن تُتخذ حصراً من قبل الحكومة اللبنانية.”
- رفضه للوصاية الإيرانية والسورية:
- في حديثه عن النفوذ الإيراني والسوري في لبنان، صرح جعجع قائلاً: “نحن في القوات اللبنانية نرفض أي وصاية خارجية، سواء كانت سورية أو إيرانية. لبنان يجب أن يكون حراً مستقلاً بقراراته، ولا يجب أن يكون ساحة لصراعات إقليمية على حساب سيادته.”
- التأكيد على الديمقراطية والحريات:
- في عام 2019، خلال لقاء سياسي، شدد جعجع على أهمية الديمقراطية قائلاً: “نحن ملتزمون بالدفاع عن النظام الديمقراطي في لبنان، لأن هذا النظام هو الذي يضمن حرياتنا العامة وحقوقنا الفردية. لا يمكن لأي قوة مسلحة خارج إطار الدولة أن تفرض نفسها على الشعب اللبناني.”
- الوحدة الوطنية:
- في ذكرى تأسيس حزب القوات اللبنانية، قال جعجع: “لبنان بلد التعددية والعيش المشترك. وحدتنا الوطنية هي صمام الأمان لاستقرارنا. لا يمكن لأي فئة أن تفرض نفسها على الأخرى، وعلينا جميعاً أن نعمل معاً لضمان مستقبل مشترك للجميع.”

هذه الأمثلة توضح كيف يستخدم سمير جعجع خطاباته لتأكيد مواقفه حول المقاومة، السيادة، الديمقراطية، ورفض الوصاية الخارجية، وهي قضايا جوهرية في سياسته.
1. السيادة الوطنية وسلاح حزب الله:
- سمير جعجع يؤكد دائمًا على أن السيادة الوطنية هي أولوية قصوى للبنان. في هذا السياق، يرى أن سلاح حزب الله يشكل انتهاكًا لهذه السيادة لأنه سلاح خارج إطار الدولة. عندما يقول: “لا يمكن أن يكون في لبنان جيشان أو سلاحان”، فهو يشير إلى خطر ازدواجية القوة العسكرية في لبنان، حيث وجود سلاح خارج سيطرة الدولة يضعف الدولة ويجعل السيادة الوطنية محل تساؤل.
2. رفض الوصاية الإيرانية والسورية:
- جعجع يربط بين وجود سلاح حزب الله والنفوذ الإيراني في لبنان. من وجهة نظره، حزب الله ليس مجرد فصيل لبناني، بل يمثل ذراعًا لإيران في لبنان، مما يعزز الوصاية الإيرانية على القرار اللبناني. رفضه لأي وصاية، سواء كانت سورية أو إيرانية، يتماشى مع موقفه من ضرورة أن تكون القرارات اللبنانية مستقلة وحرة، دون تدخلات خارجية.
3. الديمقراطية والحريات العامة:
- جعجع يضع الديمقراطية في صلب رؤيته للبنان. من خلال تأكيده على أن “النظام الديمقراطي هو الذي يضمن حرياتنا العامة”، يشير إلى أن أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة (مثل حزب الله) يمكن أن تهدد الديمقراطية. في هذا السياق، يرى أن ازدواجية السلاح تؤدي إلى تهديد الحريات العامة، حيث قد يُستخدم هذا السلاح للضغط على الدولة أو قمع الأصوات المعارضة.
4. الوحدة الوطنية:
- الوحدة الوطنية، بالنسبة لجعجع، لا يمكن تحقيقها بوجود قوى مسلحة متعددة أو ولاءات خارجية. عندما يتحدث عن “لبنان بلد التعددية والعيش المشترك”، يشير إلى أن تعدد الأطياف السياسية والدينية يجب أن يتم ضمن إطار الدولة الواحدة، وليس عبر الولاءات المتعددة التي قد تهدد وحدة البلاد. لذا، فإن توحيد السلاح تحت سيطرة الدولة هو جزء لا يتجزأ من تحقيق هذه الوحدة الوطنية.
سمير جعجع يربط بين السيادة الوطنية، رفض الوصاية الخارجية، الحفاظ على الديمقراطية، والوحدة الوطنية كعناصر مترابطة. بالنسبة له، وجود سلاح خارج إطار الدولة يمثل خطرًا ليس فقط على سيادة لبنان، بل أيضًا على ديمقراطيته ووحدته. جعجع يرى أن الدولة اللبنانية القوية المستقلة هي السبيل الوحيد لضمان حرية اللبنانيين وحفظ كرامتهم في إطار نظام ديمقراطي يحترم التعددية.



