قراءة في حدث كتبت ناديا شريم لـ “أخباركم – أخبارنا”
في خضم التطورات المتسارعة على الساحتين اللبنانية والإقليمية، يبرز صوت شارل جبور، المحلل السياسي والكاتب المعروف، كناطق بلسان الضمير المسيحي الذي يعبر عن هواجس وتطلعات المجتمع المسيحي في لبنان. بجرأته المعهودة ورؤيته الواضحة، يقدم جبور قراءات تحليلية تسلط الضوء على جذور الأزمات، وتستشرف أفق الحلول، مستندًا إلى ثوابت وطنية وإنسانية تنبثق من روح العدالة والحرية التي تشكل جوهر الهوية المسيحية في لبنان. من خلال طرحه المميز، يعبر جبور عن التحديات التي تواجه الوجود المسيحي ودوره في بناء دولة المؤسسات والعيش المشترك، ليؤكد أن الحلول تبدأ من استعادة الدولة لسيادتها ومواجهة مشروع الفساد والتبعية الذي يهدد بقاء الوطن وهويته.
كلما تطورت الأحداث في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، كثرت الأسئلة وازدادت التكهنات حول صورة سوريا الجديدة التي ستولد بعد هذا السقوط. النظام الذي تسبب بالكثير من الويلات ليس فقط على سوريا، بل على لبنان والشعبين السوري واللبناني، إلى درجة أن جميع المراقبين باتوا يعتبرون أن أي نظام جديد سيكون أفضل من نظام الأسد.
ماذا ينتظر سوريا؟ وماذا ينتظر لبنان، الجار الأقرب الذي دفع أهله سنوات من عمرهم في مواجهة هذا النظام الذي طالما اعتبر أن “بيروت تُحكم من دمشق” وتصرَّف على هذا الأساس؟
عن هذا الموضوع، قال الكاتب والمحلل السياسي شارل جبور لموقعنا:
“لا يمكن المرور بشكل عابر على مرحلة سقوط النظام في سوريا والكلام عن قراءة المشهد بعد أسبوعين من سقوط الأسد. صحيح أن هذا السقوط حدث عظيم، لكن لا يمكن المرور بسرعة على حقبة شكل فيها نظام الأسد سيطرة على ثلاثة شعوب وتعامل معها كأوراق، والمقصود هنا الشعب السوري، الشعب اللبناني، والشعب الفلسطيني. لقد عانينا منه كلبنانيين بقدر ما عانى الشعب السوري، بل واجهناه أكثر مما واجهه السوريون. سقوط هذا النظام شكل ويشكل مصلحة استراتيجية لسوريا، لبنان، والقضية الفلسطينية، وبالتالي نحن أمام منعطف تاريخي”.
إعادة شريان الحياة إلى لبنان
أضاف: “سقوط هذا النظام جاء لاعتبارات ثورية بسبب دوره وتأثيره على استقرارنا وسيادتنا واستقلالنا، لكن أيضاً أسقط معه الجسر الممتد من طهران إلى بيروت. وبعد خروجه من لبنان في العام 2005، أصبح القرار اللبناني في يد النظام الإيراني بواسطة ذراعه “حزب الله”. وبالتالي، فإن سقوطه هو من طبيعة استراتيجية لأنه قطع شريان الموت الممتد من إيران إلى لبنان، وهذا يعني بشكل تلقائي إعادة شريان الحياة إلى لبنان”.
ثورة سلسلة
عن تصرفات أحمد الشرع (الجولاني) في سوريا، قال جبور: “بالنسبة الى تصرفات الشرع وعما إذا كانت توصل سوريا إلى الديمقراطية، لا أحب الحكم على النيات. أنا أحكم على الوقائع. في الوقائع، ما حصل لغاية اليوم قد يكون إحدى الثورات النادرة في التاريخ التي حصلت بهذه السلاسة ومن دون مشاهد مرعبة من الموت والتهجير. لذلك، هي ثورة سلسة أدت إلى تغيير مع تطمينات، وبالتالي ما رأيته في الوقائع هو مطمئن. ولكن لا يمكنني أن أحكم على النوايا بناء على مواقف سابقة له. أنا أحكم اليوم بناء على ممارساته منذ تبوّئه هذا الموقع”.
لا مخاوف على الجغرافيا السورية
وحول المخاوف على الجغرافيا السورية بعد سقوط الأسد، اجاب: “لا أعتقد أن هناك مخاوف على الجغرافيا السورية. مسألة تغيير الحدود والجغرافيا هي مسألة معقدة دولياً. لكن لا شك في أن الشعوب قد تفكر بأنظمة جديدة، بما يؤدي إلى مزيد من احترام التعددية والأبعاد الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة والشراكة الحقيقية في الأنظمة السياسية. وبالتالي، لا مخاوف على جغرافية العراق أو سوريا أو لبنان”.
الخطر كان من الممانعة…
أما بالنسبة إلى تأثير ما حصل على المسيحيين، فأكد جبور أن “الخطر على المسيحيين في العراق وسوريا ولبنان كان تاريخياً من الفريق الممانع، الذي شكل أسوأ تجربة ضد الحالة المسيحية في عمقها اللبناني، وذلك من خلال ضرب حضورها ودورها. لذلك، فإن أخطر ما يمكن تصوره على هذا المستوى هو هذا النموذج. ومن هنا، فإنني أعتقد أنه لم يكن يوجد أخطر من الممانعة”.
تأثير كبير جداً
وعن انعكاسات ذلك على لبنان، قال: “بالنسبة إلى تأثير سوريا المباشر وغير المباشر على لبنان، هناك تأثير كبير جداً. سوريا شكلت المحطة الاستراتيجية لإيران. كان يقال إن “حزب الله” هو درة التاج لدى إيران، ولكن سوريا كانت رأس الحربة الاستراتيجية. من خلالها، تمكنت الثورة الإيرانية عبر دمشق والرئيس حافظ الأسد من تسليح الحزب في مطلع الثمانينات. الخط المفتوح منذ سقوط صدام حسين إلى لبنان من إيران هو الذي أدى إلى خلخلة الواقع اللبناني وزعزعة الاستقرار، وضرب الدولة ، وضرب التعددية في لبنان، حيث تحكم “حزب الله” بالقرار الاستراتيجي. وبالتالي، فإن سقوط هذا النظام له تأثير إيجابي استراتيجي كبير. بقدر ما كان اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته الحكومة التي يشارك فيها “حزب الله” في 27 تشرين الثاني الماضي مهماً، فقد وقع الحزب على نهاية نسخته العسكرية في لبنان، ووقع على إمكانية ضرب سلاحه دولياً إذا تجرأ على استخدامه”.
هناك حالة سياسية جديدة
وعن أهمية سقوط النظام السوري، اعتبر جبور أنها مضاعفة، لأنه يقضي على أحلام “حزب الله” في إعادة ترميم بنيته العسكرية. كما أن هناك حالة سياسية جديدة ترفض ما ارتكبه الحزب في حق الشعب السوري. وبالتالي، فإن سقوط هذا المسرح هو سقوط نهائي”.
العلاقة بين سوريا ولبنان
وفي ما يتعلق بالمستقبل في لبنان، أشار جبور إلى أن
“ما نأمله كلبنانيين هو أن نطوي الصفحات السوداء من الكتاب الأسود في العلاقة المتأزمة بين لبنان وسوريا، وأن نعود إلى علاقات من دولة إلى دولة، بعيدا عن الاستعلاء والاستتباع، وأن تكون العلاقة طبيعية بين دولتين، لخدمة الشعبين اللبناني والسوري في مجالات اقتصادية ومالية وغيرها”.
حراك رئاسي كبير
وعن الحراك الرئاسي الأخير، قال: “هناك حراك رئاسي كبير، ويجب أن نتذكر دائماً أن من عطّل وصول رئيس الجمهورية هو الفريق الممانع. نحن اليوم أمام جلسة انتخابية بمعطيات جديدة. لبنان دخل مع 27 تشرين الثاني و8 كانون الأول مرحلة تاريخية جديدة. إنتهت أحلام السيطرة السورية البعثية الأسدية، والسيطرة الإيرانية الخمينية على لبنان. نحن اليوم في مرحلة جديدة بعيدة عن التدخلات في شؤوننا الداخلية. يجب أن نتوّج هذا الانتقال من خلال انتخاب رئيس جمهورية جدي سيادي إصلاحي، يملك من الهيبة والمعرفة والتراكم السياسي التاريخي ما يجعله مؤهلا لقيادة الجمهورية”.
وأضاف: “هناك العديد من الأسماء، لكن لا شك في أن معراب كانت نقطة ارتكاز أساسية في مواجهة الممانعة. لقد تحمل الدكتور سمير جعجع الكثير من أجل إسقاط الاتفاق الثلاثي ورفض الانقلاب على اتفاق الطائف. اليوم، مع سقوط النظام السوري وانتهاء المشروع الإيراني، نأمل بتتويج هذا الانتصار برئيس تكون أولوياته لبنان فقط، لأن لبنان ليس ملكاً للشيعة أو السنة أو الدروز أو المسيحيين، بل هو لجميع اللبنانيين”.



