كتب حنا صالح في صبيحة اليوم الـ 1895 على بدء ثورة الكرامة
قبل 18 يوماً على موعد 9 كانون الثاني لا يقبل الوضع مواقف رمادية. ولا إختيارات رمادية لرئاسة الجمهورية. مطلوب الشخص الذي لا يخجل حاضره من ماضيه، مما كان له من رهانات، وتحالفات، وشراكة بسياسات وصفقات. وقد لا يبقى فوق الغربال أكثر من شخص أو إثنين من الأسماء التي يتداولونها للرئاسة.
زوال كابوس نظام صيدنايا ومكبس الجثث والإبادة الجماعية، ينبغي له أن يفتح أمام اللبنانيين طريقاً لمسيرة مغايرة، منطلقها في هذه اللحظة الحرجة جداً من تاريخ البلد، إنهاء الشغور الرئاسي لتشكيل حكومة يمكنها كسلطة تنفيذية تثبيت وقف النار وضمان سلم مستدام وإستقرار. لقد إكتوى الناس بتسلط منظومة النيترات اللبنانيية على حياتهم ومصيرهم. صحيح ليس لدينا اليوم فؤاد شهاب جديد لكن الوضع لا يحتمل شخصية “توافقية” تتحاصصها زعامات الطوائف. كل ماراتون التسميات من كل الأطراف الداخلية قدمت حالة التحاصص على ما عداها ليبقى في مكان ما رئيس ظل، واحد أو أكثر، ويبقى البلد في الحضيض.
الثنائي المذهبي يقاتل ل”توافق” على شخصية تحفظ له الكثير من مكاسب فرضها بالسلاح وقوة الأمر الواقع في السياسة والقضاء والتعليم والإقتصاد وخصوصاً النقد وسوى ذلك.
يقابله موقف القوات. من مقالة شارل جبور السلاح قبل الرئاسة إلى ما يرشح عنهم من مواقف لا يعتبرون 9 كانون الثاني هو الموعد المناسب لإنتخاب الرئيس. تقول بعض الأوساط أن الموعد غير مناسب للمسيحيين(..) فهل ناسب لبشغور والفراغ المواطن المسيحي؟ وقد يكون الرهان موجود على تغيير كبير بعد تسلم ترمب، فيرجح بعضهم(وليس رسمياً) أن يتيح الوقت جعل ترشيح د.جعجع أكثر مقبولية. وواقع الحال إن المصالح الخاصة تتقدم ما عداها ولا تتأمن إلاّ مع حصة أكبر بالرئيس، لأنه ما من طرف قدم للبنانيين رؤية ومشروع، وكل البلد يعرف أنه ما من مسيرة وردية لكل من كان لفترة طويلة في سرير حكومي واحد مع حزب الله، وفي قلب عدة بري التشريعية.
بين الموقفين، برز تأييد الإشتراكي لجوزيف عون. وعلى الأعم الأغلب فإن الأكثرية تنتظر الإسم الذي سيهبط، بتزكية خارجية تلتزم بها الأكثرية، وهكذا يتم إختيار رئيس للبنانيين. هناك وضع تم تصنيعه مع الإحتلال السوري للبنان وإستمر بقوة مع حزب الله ومن خلفه إيران، لا يعير وجود الناس أي إهتمام من جانب من يمسك الحل والربط، وما على المواطنين إلاّ السمع والطاعة، كون صوتهم مصادر. هذا وضع تم كسره في ثورة 17 تشرين عندما أُخرجت المنظومة السياسية من الفضاء العام، وكذلك بعد 28 شهرا على الثورة في التصويت العقابي ضد الطبقة السياسية، عندما أخذ المواطن دوره كلاعب سياسي يمتلك قراره وصوته.
في هذا التوقيت قد يبدو الأنسب جوزيف عون. يتحفظ عليه حزب الله لأنه خالفه، ويصف بري أداءه بأنه”غير مرن ولا يتعاون” وهذا جيد. دوره في الجيش معروف، وأثبت أكثر من مرة قدرة على القول لا لجبران باسيل، لكن الأهم أنه في اللحظة الحالية شخص يمتلك قدرة وعلاقات عربية ودولية تساعد في تنفيذ الإتفاق 1701، الذي فاوض بشأنه بري ووافق عليه مسبقاً حزب الله بالصوت والصورة قبل وصول هوكشتين إلى تل أبيب، ويسعى الآن حزب الله إلى الإلتفاف عليه. علماً أن الآلية التنفيذية للقرار الموضوعة بعهدة الأميركيين ليست شبيهة بإعلان بعبدا ليوافق عليه محمد رعد ثم يعلن بعد حين بلوه وإشربوا ميته.
مفيد أداء من نثق بهم في البرلمان، محاذرة أي موقف قد يفسر بأنه إلتحاق. الأيام القليلة مهمة للتقييم والتبصر(مع الإنتباه إلى أننا أمام كارثة أن يصبح مسار الرئاسة من اليرزة إلى بعبدا)، فإن العماد عون قد تكون لديه إستقلالية معينة عن قوى “تربوا على إعتبار سرقة الدولة شطارة” كما كان يحذر ميشال شيحا. العنوان السياسي الحقيقي الآن، ينبغي أن يتمحور حول من هو غير خاضع للتحاصص، لأنه سيكون قادرا، في مناخ التغيير في المنطقة، أن يحمي تشكيل حكومة الحد الأدنى من الكفاءات والنخب، حكومة قادرة على إستعادة ثقة الداخل لبدء زمن لبناني آخر.. ليتم فتح الباب على التحدي الأكبر والأسمى وهو إعادة تكوين السلطة، وهذه المهمة ينبغي أن تنبثق من إنتخابات نيابية مبكرة.
في هذا التوقيت على قوى التغيير الجدية أن تنتقل إلى مرحلة هجومية، بالدعوة لإنتخابات نيابية مبكرة. ومثل هذه الدعوة يمكن أن تسري كالنار في الهشيم إن تم تبنيها من نواب تغييرين لو وقفوا أمام اللبنانيين وقالوا: خزل البرلمان المواطنين في أكثر من محطة وخاصة الحرب التي دامت 14 شهراً، وأنهم على جهوزية لتحمل المسؤولية بالذهاب لإنتخابات مسبقة.
سقط حكم الطغاة في سوريا والسقوط الإيراني مدوٍ، والهلال الفارسي يتصدع، فغير مقبول ترك مصير البلد بين أيدي منظومة وضيعة متسلطة متجبرة إستمرأت إستتباع لبنان وأرتهانه وإفقاره، منظومة فقدت أهليتها وصلاحيتها الوطنية. المبادرة ربع المعركة، ونموذج التصويت العقابي ربع أخر، وقدرة التغييرين على تسريع بلورة شبكة أمانٍ وطنية عابرة للمناطق والطوائف قادرة على تقديم وجوه تعرف حجم الوجع المقيم عنوان محوري للفوز. ينبغي أخذ المبادرة.
وكلن يعني كلن وما تستثني حدن منن.



