كتب إبراهيم بيرم لـ “أخباركم – أخبارنا”
على الرغم من أن البيان الذي أصدرته قيادة الجيش قد كشف عن أن “الجبهة الشعبية – القيادة العامة” وحركة “فتح – الانتفاضة” هما اللتان سلمتا طوعًا وسلمًا معسكراتهما الأربعة في خراج كل من السلطان يعقوب ودير الغزال وقوسايا – رعيت في البقاع الأوسط، وفي حلوة في منطقة راشيا الوادي، إلا أن هناك من أصر على التعامل مع الأمر وكأنه حدث أو فتح ينطوي على أبعاد مستقبلية، إنطلاقًا من أن هذه المحطة هي حلقة في سلسلة عمليات تصفية آخر مظاهر الحضور العسكري الفلسطيني الموالي للنظام السوري السابق في الداخل اللبناني.
إضافة إلى ذلك، يُعتبر هذا التطور خطوة عملانية أولى على طريق اجتثاث الوجود العسكري الفلسطيني في الأراضي اللبنانية، والذي تعود جذوره إلى مرحلة ما بعد اتفاق القاهرة المبرم في عام 1969 بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهو الاتفاق الذي “شرّع” الوجود العسكري للفصائل الفلسطينية في لبنان، والذي بقي ساريًا نظريًا حتى ألغاه مجلس النواب في مطلع التسعينات.
كما أن البعض يتعامل مع هذا التطور على أنه مقدمة لازمة لإبطال أي مبررات أو مسوغات لبقاء سلاح “حزب الله” خارج نطاق منطقة عمل القوة الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) في جنوب نهر الليطاني، في سياق توجه لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
وبناءً عليه، سارع البعض إلى تقديم الحدث الأخير، على تواضعه ومحدوديته، باعتباره إنجازًا للمصلحة العامة، وطيًّا نهائيًا لصفحة الوجود العسكري السوري والفلسطيني على حد سواء، وهو الوجود الذي يعود إلى نحو نصف قرن مضى. ومن جهة أخرى، يُعتبر هذا بمثابة “بركات” سقوط نظام الأسد، باعتباره جزءًا من محور الممانعة الذي يُفترض أنه تلقى لكمات صاعقة تركته مهشماً وواهن القوى، ومن ثم صار يقر بموجبات الأمر الواقع المستجد، بدليل أنه قدم لتوه برهانه الصادق على ذلك عبر تنازلات ميدانية تعذرت في السابق رغم المطالبة بها.
أبعد من ذلك، هناك من يربط بين هذا الحدث (إغلاق آخر المعسكرات الفلسطينية في البقاع) وبين ما سرى بعد أيام قليلة من إمساك قوى المعارضة السورية بزمام الأمور في دمشق، حيث أبلغت السلطة الجديدة في عاصمة الأمويين جميع القوى الفلسطينية في الساحة السورية (هناك أكثر من 10 مخيمات) أن عليها تحضير نفسها لإنهاء كل أشكال وجودها العسكري في سوريا، أي تفكيك قواعدها ومعسكرات تدريبها وتسليم سلاحها، وقبول طيّ صفحة “الامتيازات” التي كانت تتمتع بها في عهد النظام الساقط.
ومن الطبيعي أن المقصود بالإجراء الأخير في لبنان، وتلك التي قد تُطبق في سوريا لاحقًا، هي الفصائل الفلسطينية المعروفة بقربها من النظام السابق في دمشق. وهذه الفصائل تتكون من أربعة: “الجبهة الشعبية – القيادة العامة”، حركة “فتح – الانتفاضة”، منظمة الصاعقة، و”جبهة النضال الشعبي الفلسطيني”.
ومن المعلوم أن هذه الفصائل تعاني منذ فترة طويلة من حالات ضمور ووهن وانقسامات، فضلاً عن أزمات شح مالي، خصوصًا بعد رحيل مؤسس “القيادة العامة” أحمد جبريل (أبو جهاد) الذي عرف بشراسته.
ومن المعلوم أيضًا أن الوجود المسلح لهذه الفصائل في قوسايا، دير الغزال، والسلطان يعقوب، إضافة إلى ما يعرف بـ “أنفاق الناعمة” (الشوف)، بات وجودًا رمزيًا. إذ لم يعد هناك ما يكفي من العناصر لتأمين حراسة هذه المواقع أو التواجد فيها بشكل دائم، فقد كانت خلال الأعوام الثلاثة المنقضية شبه مهجورة.
وقد زاد سقوط النظام المرجعي – المساند لهذا الفصيل وأخواته من وهنه العسكري، فوجد أن “الأشرف” له أن يسلم بالأمر الواقع عبر تسليم تلك المواقع شبه الخالية للجيش اللبناني، خصوصًا وأنه لم يكن لها أي دور أو تأثير في مجريات المواجهات الأخيرة في الجنوب، فبدت أنها من لزوم ما لا يلزم.
في كل الأحوال، ثمة رأيان في الوسط الراصد للوجود الفلسطيني غير المدني في لبنان حيال مستقبل هذا الوجود:
الأول يرى أن الدولة اللبنانية ستجد نفسها في المرحلة المقبلة، أي بعد انتخاب رئيس جديد، مضطرة إلى رفع منسوب الضغط على هذا الوجود، تنفيذًا لمبدأ “ضبط هذا الوجود” في كل المخيمات الفلسطينية، بما فيها المخيم الأكبر “عين الحلوة” الذي يُعد “المخيم العاصي” على الدولة. وهذا يعني أن على الدولة أن تكرر تجربة التضييق التي مارستها مع هذا الوجود بعد انسحاب قوات منظمة التحرير من لبنان في صيف عام 1982، واستطرادًا تجربة ما بعد تطبيق اتفاق الطائف في مطلع التسعينات.
أما الثاني فيقول إن الطريق إلى تحقيق هذا المبتغى ليس بهذه السهولة والاريحية، لأن الوجود الفلسطيني في لبنان قادر على امتصاص الصدمات والتكيف مع التحولات الحادة، خصوصًا وأن هذا “الاختبار” ليس جديدًا على الفلسطينيين في لبنان، فقد سبق أن اختبروه في مرحلة ما بعد الاجتياح الإسرائيلي الواسع للأراضي اللبنانية في صيف عام 1982.



