كتب حنا صالح في صبيحة اليوم ال1933 على بدء ثورة الكرامة
كلما إشتد توتر القوى الحزبية الطائفية حيال تأليف الحكومة من “الميلين”، مع تخصيص “الثنائي المذهبي” الذي فضحت مراميه عملية بلطجة الدراجات النارية في شوارع العاصمة كلما شعر المواطن العادي بالإرتياح. لقد دخل تكليف الدكتور نواف سلام تشكيل الحكومة أسبوعه الثالث، مع تراجع لافت في مؤشرات سلبية رافقت الأسبوعين الفائتين. وبدا أكثر فأكثر أن قوى الإستبداد باسم الطوائف، باتت أمام واقعٍ آخر قد يتطلب منها بعض الوقت لإدراك كل أبعاده. واقع يقول أن لا جوائز ترضية لقوى تسلطت طويلاً على رقاب الناس: نهبت وسطت على الجيوب وأفقرت وأذلت المواطنين وإرتهنت البلد وغطت جريمة حربٍ دمرته وحجبت الحقوق وصادرت العدالة، وتلطت خلف الحصانات وقانون الإفلات من العقاب.
فهل آن أوان الخروج من كل ذلك؟ وهل هناك قدرة على إنجاز لم يعرفه لبنان في تاريخه؟ لقد حمل كانون الثاني بشائر ما كانت تراود أي مواطن. فمع إضطرار برلمان له وجوده القانوني، لكنه منعدم الشرعية الشعبية، لإنتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وتكليف رئيس محكمة العدل الدولية نواف سلام تشكيل حكومة العهد الأولى، بدا ان زمن القطع مع كل الحكومات ما بعد العام 1992 قد حان، وأنه مع الرئيس المكلف متعذر إعادة إنتاج حكومات ذلك الزمن بصيغ تذاكٍ ومواربة. وما حدن يحكي عن “حبة حبة” أو “يواش يواش” ما في نص حبل، والأكيد ان مرونة الرئيس سلام لا تعني التخلي عن أسس التأليف!
هناك وقائع تعرفها قوى الإستبداد الطائفي لكنها تتعامى عنها وهي مسؤوليتها عن تدمير البلد وجعله رصيف هجرة للنخب الشابة التي على قدراتها ومعارفها ومبادراتها وأكتافها يكون البنيان. وإعتاد جمهور كل طرف تحميل المسؤولية عن الكارثة للفريق الخصم، حتى وصلنا إلى زمن ما من أحدٍ منهم فوق الغربال. كل هؤلاء ليسوا أهل بنيان وإصلاحٍ إمتنعوا عنه عمداً. ديموقراطيتهم التوافقية كانت محاصصة طائفية رسّخت الزبائنية وحولت الوزارات إلى إقطاعات للمحاسيب والأزلام ..وبعد كل الزلزال الذي ضرب لبنان وضرب المنطقة، إذا لم يكن اليوم زمن قيام حكومة قادرة على المحاسبة والمساءلة ووضع حدٍ لزمن الإستنسابية في تنفيذ القوانين وإلتزام الدستور، فمتى يكون؟
هنا يجدر التوقف عند دور “الثنائي المذهبي”، حزب الله وحركة أمل. بالعمق يعرف الثنائي أن الزلزال فتح باب تغيير منطلقه المحاسبة والمساءلة. والقاصي والداني بات خبيراً في طرق تكوين الثروات التي لا تأكلها النيران. ويعرف الثنائي أن حرب “الإسناد” التي بدأها حزب الله وشاركته فيها في البداية حركة أمل دمّرت البلد، والمسؤوليات جسام لا يمكن الهرب منها. ويدرك الثنائي أن تلك الحرب التي جرى أخذ لبنان إليها قسراً كسرت مكانة فُرضت بالسلاح جرت محاولات لتكريس أعراف جديدة لها، فروجوا أنها “حق”(!!) فعليه ان يعلم أنه في مثل هذه الحالة لا مكافأة في الأفق. لقد حطمت الحرب الجزء الأكبر من ترسانة حربية لا شرعية لحزب الله، وجدت لخدمة الأجندة الإيرانية التي رتبت على لبنان الويلات..وكل تعامل بأن شيئاً جديداً لم يطرأ، عليه أن يتذكر أن حزب الله ونبيه بري فاوضا على إتفاق إذعان بصمت عليه حكومة نجيب ميقاتي بات ملزماً تنفيذه للبلد وأي سلوكٍ آخر، وأولها في تأليف الحكومة للإلتفاف على الإتفاق سيعني بقاء المحتل وربما تجدد إجرامه وهو لم يتوقف، وكذلك طي صفحة العودة والإعمار!
مع رئيس إصلاحي ورئيس حكومة يعرف حجم الآمال التي يعلقها الناس على التغيير، هناك رهان بأن سلام لن يقبل الإلتفاف على المعايير التي وضعها. ولافت سقوط التركيبات الحكومية التي جرى الترويج الإعلامي لكل واحدة منها بوصفها الصيغة التي ستبصر النور، فسلام ليس غريباً عن أوروشليم ويعرف أن الزمن لا يسمح بتمرير حالات مقنعة، ويسجل له أنه يعرف أن كل هذه الترشيحات التي راهنت على توزير أشخاصٍ محددين، تجاهل أصحابها وجوب تقديم البرنامج على الشخص والولاء لقيم الجمهورية على المصالح الفئوية وطموحات زعامات طائفية تراهن على تعويم وضعها من خلال الإستئثار بحصة حكومية فما مشي الحال.
لافت اليوم في جريدة “الأخبار” إدانتها الضمنية لما قامت الحكومات السابقة، لكنها “نصحت” سلام بغير ما إكتشفته، عندما قالت أن “حكومة بحسب الكفاءة والنزاهة وطبقاً للخطط الإصلاحية لا يمكن أن تتحقق بين ليلة وضحاها وبمجرد تولي سلام رئاسة الحكومة. العملية الإصلاحية لا تحصل فجأة بل على مراحل”. لتطمئن الأخبار: الإصلاح على مراحل بالتأكيد ويتحقق مع إصلاحيين وليس ودائع حزبية طائفية لأي جهة.
بهذا السياق لفت الإنتباه الإنسجام في الموقف بين ما صدر عن رئيس الجمهورية والرئيس المكلف. قال الأول أنه “سيعمل على تنفيذ خطاب القسم لأن ما يحتاجه اللبنانيون هو أن يعيشوا بكراماتهم”. مضيفاً أن “مجلس الوزراء هو لكل لبنان وتتمثل فيه الطوائف من خلال النخب التي لديها إستقلالية القرار”، داعياً إلى الإبتعاد عن “المناكفات وسياسة الزواريب الضيقة وتناتش الحصص”.
إستقلالية القرار، هو بين أبرز ما يريده نواف سلام ألذي أعلن أمس من بعبدا: “لن أتراجع عن المعايير التي أعتمدها لتشكيل الحكومة، وأبرزها فصل النيابة عن الوزارة والإعتماد على الكفاآت وتوزير اشخاص غير مرشحين للإنتخابات البلدية والنيابية”.
ومنظومة الفساد والإرتهان والتبعية،”كلن يعني كلن” وما تستثني حدن منن.



