أخباركم – أخبارنا/ كتبت فاطمة حوحو
في غمرة إنشغال اللبنانيين بتفاصيل تشكيلة الحكومة، ومع تواصل الخروقات الإسرائيلية في الجنوب المهددة لأمنه واستقراره، بعد موجة التفاؤل الظاهرة إثر خطاب العهد المبشّر بعودة المؤسسات، شهدت الحدود السورية – اللبنانية تصعيداً خطيراً، لا سيما أنه جاء إثر إعلان تصريح قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي بأن الوضع في سوريا لن يبقى على حاله. وبالتالي يحق السؤال هنا هل الدعم الذي لا يزال “حزب الله” يتلقاه من إيران، يعني استخدام حدود لبنان لابقاء عمليات تصنيع وتهريب المخدرات، وبالطبع تهريب السلاح، طالما ان قرار الحزب حتى الآن هو عدم تسليم سلاحه للجيش. وأكثر من ذلك، هناك محاولة لحماية الهاربين من رجالات الأسد، لا سيما من الفرقة الرابعة شريكة المجموعات الحزبية الحزب الإلهية في حرب الكبتاغون، والتي يعمل النظام السوري الجديد على مكافحتها ومنع تهريب السلاح إلى لبنان.
العشائر ومكافحة العصابات
يجري الحديث أيضاً عن أن الاشتباكات الحدودية قد تكون مقدمة لنشر القوات الدولية على الحدود، بعد دخول الجيش اللبناني المعركة ونشر قواته على الحدود إثر مناشدة من الأهالي والعشائر لحماية القرى اللبنانية من لهيب نيران الحرب التي تقوم بها الإدارة السورية الجديدة عبر قوات الأمن والجيش السوري لمحاربة وملاحقة عصابات المخدرات والممنوعات والتي يحميها “حزب الله”.
وترفض العشائر أن يُستهدف المدنيون في حملة الجيش السوري ضد المطلوبين وهي على تواصل مع عشائر سورية علماً أن هناك تداخل في الأراضي والمنازل، اضافة الى العلاقات الاجتماعية حيث يعتاش كثيرون من أبناء العشائر من عمليات التهريب الناشطة منذ عشرات السنين. ومهنة التهريب هذه، دفعت بالكثيرين الى تأليف عصابات خارقة للقوانين، وقدمت لها احزاب واجهزة أمنية غطاء لتحركاتها واغراءات مالية وخدمات متنوعة، منها تهريب السلاح والمخدرات والممنوعات بكل أشكالها التي تزايدت خلال السنوات الاخيرة بعد الثورة السورية. كما كثرت عصابات تهريب البشر والخطف لتحصيل مبالغ مالية عالية عبر طلب الفدية، بعدما كانت سابقاً تقتصر على مواد الطاقة والغذاء ومنتجات مختلفة.
ولا تغيب الاستعراضات العسكرية للحزب وعشائره وحلفائه عن المنطقة، فعلى الارض له السيطرة الكاملة، وعصابات العشائر لديها جيش يمتلك أسلحة فعالة، من بينها صواريخ وآليات عسكرية وذخائر. وقد ظهرت فعاليتها خلال الاشتباكات الأخيرة، ودفعت بالجيش السوري للتحرك لدعم قوى الأمن التي كانت تلاحق العصابات في الأراضي السورية، فكان ان تم اعتقال عنصرين من الأمن، ووزعت فيديوهات مسيئة لهما مثل الطلب من احدهم بأن يعوّي على طريقة شبيحة بشار الأسد.
ويشير بعض العشائر إلى أن المعارك الحاصلة تجري داخل الاراضي اللبنانية ولا تقع في الاراضي السورية، وان المسلحين السوريين من “هيئة تحرير الشام” استهدفوا المناطق اللبنانية في القصر وسهلات الماء والزكبة والميدان ومراح الشعب وقنافد والهوشرية، وهي قرى لبنانية مسكونة.
هل حان وقت الترسيم؟
ما يجري حالياً على الحدود يستدعي بالطبع تنسيقاً لبنانياً مع النظام الجديد في سوريا، وقد حصل اتصال ما بين الرئيس السوري احمد الشرع واللبناني العماد جوزاف عون، لكن يبقى السؤال هل يجري تنفيذ ما ورد في القرارين الدوليين1701 و1680؟.
فمجلس الأمن عبر القرار 1680 (17 أيار 2006)، طالب في الفقرة 4 الحكومة السورية بالاستجابة بشكل إيجابي لطلب حكومة لبنان لتحديد حدودهما المشتركة، وبخاصة في المناطق التي تعتبر فيها الحدود غير مؤكّدة أو محلّ نزاع.
وجاء القرار 1701 (عام 2006) المعتمد في 11 آب 2006 ليؤكّد في فقرته التنفيذية الخامسة تأييده الشديد لترسيم حدود لبنان المعترف بها دولياً.
كما طالبت الأمم المتحدة سوريا بضبط حدودها مع لبنان وتنفيذ الفقرة 15 من هذا القرار للحؤول دون وقوع أي خرق للحظر المفروض على الأسلحة، الا ان “حزب الله” والفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد وإيران استباحوا الحدود ضاربين القرارات الدولية عرض الحائط ، ومستفيدين من فوضى عدم ترسيم الحدود البرية بين لبنان وسوريا، علماً أن حكومة الرئيس سعد الحريري سعت إلى ذلك. فقد جرى الحديث عن إمكانية الاستعانة بالقوات الدولية “اليونيفيل” لتحقيق ذلك، طالما ان نص القرار 1701 نص على مساعدة “اليونيفيل” للجيش اللبناني في نشر قواته على الحدود وبسط سيادته على الأراضي اللبنانية.

اشكاليات الأراضي المتداخلة
الواضح ان هناك إشكاليّات حدودية كبيرة بين سوريا ولبنان تاريخياً، ومزارع شبعا مثلاً واحدة منها. وهنا لا بد من كشف الواقع الغامض، نتيجة التداخل في ملكيات الأراضي الزراعية وترسيم الحدود وانهاء التباينات الحاصلة بين الخرائط اللبنانية والخرائط السورية الرسمية، وانهاء الإشكاليات، وابلاغ الأمم المتحدة بأي تطور أو إتفاق ينهي النزاعات الحدودية بين لبنان وسوريا، والتي تبلغ ما يقارب 50 كيلومتراً، في حين أن المسافة المتبقية اي حوالى 325 متراً مرسمة طبيعياً بحسب خبراء.
تفكيك المنظومة السامة
كان لافتة جداً تغريدة المحامي نبيل الحلبي على “الفايسبوك”، وهو باحث لبناني متخصص في القانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الجنائي الدولي، التي أشار فيها إلى قيام ماكينة “حزب الله” بالترويج إلى أنّ الجيش السوري توغل داخل الأراضي اللبنانية واشتبك مع عشائر البقاع، مشيراً إلى أنّ “الجيش الوطني السوري قام بتطهير 4 بلدات سورية من عصابات المخدرات والتهريب، واستعاد سيادة الدولة السورية عليها، بعد أن كانت محميّة لتلك العصابات. والبلدات السورية هي: العقربية، زيتا، حاويك واكوم.
وقد نشر خارطة تبين ذلك، داعياً الجيش وجهاز الامن العام اللبنانيين “إلى مطاردة تلك العصابات من الجهة اللبنانية، وتفكيك هذه المنظومة السامة، وتعزيز التعاون العسكري والأمني مع القوات السورية في سبيل ذلك”.

لا معركة بين “هيئة تحرير الشام”
والعشائر اللبنانية
في حديث خاص لموقع “أخباركم – أخبارنا”، شرح المحامي الحلبي ما حصل على الحدود كالآتي: “لا يوجد معركة بين ما يسمى بـ “هيئة تحرير الشام” وبين العشائر اللبنانية، فهيئة تحرير الشام لم تعد موجودة. هناك ادارة سورية جديدة، ودولة سورية لديها جهاز أمن عام قام بمكافحة العصابات المخدرات والتهريب في اكثر من منطقة سورية. وظهر على الاعلام كيف كان يقوم بتفكيك مصانع ومعامل الكبتاغون، في أكثر من منطقة سورية من دون أي مشكلات تذكر. لكن عندما وصل هذا الجهاز الامني العام الى احدى البلدات السورية، التي تقع ضمن ريف حمص الغربي، والتي لا تزال فيها مجموعات مسلحة تابعة لحزب الله، تبين أن هذه القواعد العسكرية لا تزال موجودة في ريفي القصير الغربي وحمص الغربي، المتاخمة للحدود اللبنانية من جهة منطقة الهرمل. وحين حصل صدام بعد قيام مجموعات مسلحة باعتقال عنصرين من الامن العام السوري، تدخل الجيش السوري لمؤازرة قوات الأمن، وبدأ تمشيط هذه القرى السورية لطرد المجموعات المسلحة التابعة للحزب او لعصابات التهريب من هذه المنطقة، وهذه المجموعات كلها تحمل الجنسية اللبنانية لكنها موجودة داخل بلدات سورية”.
مجموعات مسلحة وعشائر
وأوضح الحلبي: “طبعاً هذه المجموعات وعصابات التهريب وعصابات المخدرات الموجودة ضمن البلدات السورية هي نفسها، أي انها تتبع عوائل وعشائر موجودة داخل منطقة الهرمل، فانكفأت هذه العشائر أو هذه المجموعات الى داخل الهرمل. وانسحبت هذه المعارك لتصبح على الحدود، فقامت ميدانياً هذه المجموعات المسلحة بإستخدام راجمات الصواريخ والمدفعية، وبدأت تقصف الأراضي السورية انطلاقاً من منطقة الهرمل”.
وأضاف: “خلال الرد السوري على مرابض المدفعية اصابت احدى القذائف أحد الأبراج التابعة للجيش اللبناني فرد هذا الأخير على مصادر النيران، مما يعني أنه لا توجد هناك معارك بين الجيشين اللبناني والسوري على الحدود. ما حدث كان مجرد اشكال فردي، تم الرد عليه. لكن على الجيش اللبناني ضبط الواقع الامني الموجود في منطقة الهرمل، وعدم تحويل هذه المنطقة إلى قاعدة انطلاق عمليات عسكرية ضد الجيش السوري، لأن ذلك قد يؤدي إلى استدراج رد من الجيش السوري ضد الاراضي اللبنانية، مما قد يسقط مدنيين من جراء ذلك”.
وعما اذا كانت بعض عصابات العشائر تتلقى دعماً من عناصر النظام السابق في سوريا، أجاب الحلبي: “كل شيء وارد، لأن حالات الفرار حصلت من داخل سوريا الى لبنان من قبل فلول النظام السابق، سواء كانوا من فلول الفرقة الرابعة او غيرها. هؤلاء كانوا شركاء في موضوع تجارة الكبتاغون والزراعات الممنوعة وغيرها. يمكن أن تكون هناك كوادر عسكرية من فلول النظام السابق او من الفرقة الرابعة تشارك هذه العصابات التابعة للحزب وحلفائه في تجارة المخدرات وعصابات التهريب، في المعركة على الحدود السورية”.

الحاجة إلى لجان واتفاقية ثنائية
وعن الحل لإنهاء هذا الوضع، يقول الحلبي: “بطبيعة الحال ما جرى يعني عملياً إنه لا بد من عملية ترسيم للحدود الشمالية والشرقية بين البلدين. لكن هذا الأمر يتطلب تشكيل لجان، ووضع اتفاقية ثنائية بين البلدين تقضي بوضع النقاط الحدودية بطريقة مناسبة.
فالحدود الطبيعية متداخلة، كذلك الملكيات الزراعية، وهذا الامر يحتاج بالفعل الى اتفاقيات جديدة بين البلدين تراعي المصالح المشتركة. عملياً ما يحصل الآن في في معزل عن موضوع ترسيم الحدود، يتعلق بموضوع مكافحة الجريمة المنظمة. طالما أن الجيش والامن العام السوريين قاما بضبط الحدود ووضع نقاط مراقبة على الحدود اللبنانية – السورية لجهة منطقة الهرمل، يجب على الدولة اللبنانية ملاقاة هذه المبادرة السورية من المقلب اللبناني ومكافحة عصابات المخدرات. وبما انه صار من الصعب أن تجري عمليات تهريب مجدداً الى سوريا خاصة بعد تغيير النظام، لا بد أيضاً من بسط سيطرة الجيش اللبناني على جميع الأراضي اللبنانية”.



