أخباركم – أخبارنا | بقلم: مسعود محمد
منذ نشأته، لم يكن حزب الله مشروعًا لبنانيًا خالصًا، بل امتدادًا للمشروع الإيراني في المنطقة. وعلى مدى العقود، عزّز حزب الله نفوذه داخل المؤسسات اللبنانية، لكنه حافظ في الوقت ذاته على طبيعته كتنظيم عسكري عقائدي منفصل عن الدولة، يعتمد على عقيدة ولاية الفقيه ويمتلك منظومة أمنية وعسكرية مستقلة تفوق قوة الجيش اللبناني. لكن بعد التشييع العقائدي لأمينيه العامين، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، وما رافقه من مشهدية تعبويّة تعكس هوية حزب الله المغلقة، عاد السؤال الجوهري ليُطرح: أي نموذج للبنان يسعى حزب الله لفرضه؟ هل يريد دولة مدنية لجميع مواطنيها أم مجتمعًا محزبًا عقائديًا يعيش داخل منظومة “جمهورية الحزب”؟
لم يُخفِ حزب الله يومًا رؤيته للبنان، فهو لا يرى أن الدولة المدنية أولوية، بل يسعى إلى نموذج يتماشى مع أيديولوجيته القائمة على المقاومة الإسلامية وارتباطه بالنظام الإيراني. ويتضح هذا التوجه في عدة محاور: القضاء على مفهوم الدولة المركزية حيث يتعامل حزب الله مع لبنان كفضاء تتحكم به شبكته الأمنية والعسكرية، وليس كدولة ذات سيادة مستقلة، بناء مجتمع موازٍ عقائديًا حيث تعيش بيئته الحاضنة في نظام اجتماعي واقتصادي منفصل عن بقية اللبنانيين يعتمد على مؤسساته الخاصة من مدارس ومستشفيات وبنوك وجمعيات واقتصاد موازٍ، عسكرة المجتمع بدل الدولة المدنية فلا يمكن تصور دولة مدنية بوجود جيش موازٍ داخل الدولة يقرر السلم والحرب بمعزل عن السلطة المركزية، وتطبيق ولاية الفقيه بشكل غير رسمي حيث حتى لو لم يفرضها حزب الله دستوريًا، إلا أن ممارساته تؤكد أنه يريد لبنان تابعًا للمشروع الإيراني وليس دولة ديمقراطية مستقلة.
التناقض الصارخ في خطاب نعيم قاسم
لكن الأخطر مما شهده التشييع العقائدي لحسن نصرالله وهاشم صفي الدين هو التناقض الصارخ في خطاب الشيخ نعيم قاسم، حيث أطلق رسائل مزدوجة تجمع بين التأكيد على بناء الدولة والانخراط فيها، والاستمرار في النهج المقاوم، مما يعكس نوعًا من “التقية السياسية” التي يمارسها حزب الله لتوسيع نفوذه داخل الدولة.
– “سنمارس العمل المقاوم بالأساليب والطرق والتوقيت انسجاماً مع المرحلة وقرار القيادة، ولا نقبل أن تتحكم أميركا ببلدنا”.
– “نحن نتابع تحرك الدولة لطرد الاحتلال دبلوماسيًا ثم نبني على النتائج”.
– “المقاومة هي حياة الشعوب الحرة ولا تحتاج إلى الحبر على الورق”.
– “تحالفنا تعمد بالدم، فلا تفكروا أن تلعبوا بيننا”.
– “سنبقى في الدولة، ولبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”.
هذه التصريحات تكشف أن حزب الله لا يزال يحتفظ بخياره العسكري كأولوية، رغم محاولته الترويج لخطاب جديد عن الدولة والانقاذ الاقتصادي، حيث يتحدث عن العمل المؤسساتي من جهة، وعن استمرار المواجهة المفتوحة مع إسرائيل من جهة أخرى.
حزب الله ومجتمعه الموازي: ازدواجية في الهوية؟
لكن الأهم في هذا التناقض هو ما برز بوضوح في مشهد التشييع، حيث كشف أن هناك مجتمعًا خاصًا بـحزب الله مختلفًا عن المجتمع اللبناني المنفتح، وهو أمر لطالما تحدث عنه السياسيون اللبنانيون في السنوات السابقة، لكنه كان يُقابل دائمًا بالاستهجان والرفض باعتباره مبالغة سياسية. غير أن ما جرى في اليومين الماضيين، والتعبئة العقائدية المطلقة التي شهدها التشييع، يجعل هذا الطرح أكثر واقعية، ويثير القلق بشأن مدى قدرة حزب الله على الاندماج داخل المجتمع اللبناني، وقبوله لفكرة التعددية والانفتاح.
المشهد أظهر بوضوح أن هناك فجوة فكرية وثقافية بين بيئة حزب الله المغلقة والمجتمع اللبناني المتنوع، وأن التعايش بين النموذجين قد يكون صعبًا ما لم يكن هناك تغيير جذري في رؤية الحزب لدوره داخل الدولة والمجتمع.
تخلي حزب الله عن التزامه بإعادة الإعمار وتحميله المسؤولية للدولة
لكن أكثر ما كان لافتًا في خطاب قاسم هو تخلي حزب الله بشكل واضح عن التزامه السابق بإعادة الإعمار، حيث ألقى بالمسؤولية على الدولة اللبنانية، قائلاً:
– “سنتابع تحرك الدولة لإعادة الإعمار وبناء ما تهدم”.
وهذا يتناقض مع تعهدات سابقة لـ حزب الله بأنه سيكون مسؤولًا عن إعادة بناء المناطق التي تعرضت للقصف، كما فعل بعد حرب 2006، عندما كان يفاخر بمشاريع إعادة الإعمار بتمويل إيراني. اليوم، الحزب يُعيد ترتيب أولوياته ويرمي هذا العبء على الدولة اللبنانية التي تعاني أصلًا من أزمة مالية خانقة، مما يشير إلى محاولة التخلص من أعباء مالية ضخمة، والتركيز أكثر على تعزيز نفوذه داخل المؤسسات السياسية والأمنية.
لبنان بين الدولة المدنية و”جمهورية حزب الله”
إذا استمر حزب الله في فرض نموذجه العقائدي العسكري، فإن لبنان سيكون أمام عدة سيناريوهات خطيرة منها انهيار فكرة الدولة بالكامل حيث استمرار هيمنة حزب الله سيؤدي إلى تحويل الدولة إلى كيان شكلي، فيما تصبح السلطة الفعلية بيده، انقسام داخلي أعمق حيث التناقض بين النموذج العقائدي للحزب وباقي مكونات المجتمع اللبناني سيؤدي إلى مزيد من التوترات وربما صدامات داخلية، عزلة دولية متزايدة حيث كلما زاد نفوذ حزب الله، كلما تعمّقت عزلة لبنان عربيًا ودوليًا، ما سيؤدي إلى انهيار اقتصادي وسياسي أعمق، ومخاطر أمنية متزايدة حيث استمرار حزب الله في لعب دوره العسكري الإقليمي سيجعل لبنان في مواجهة دائمة مع إسرائيل، ما قد يؤدي إلى حروب كارثية جديدة.
اليوم، لبنان أمام مفترق طرق، فإما أن يكون دولة مدنية لجميع مواطنيها، حيث القانون فوق الجميع، أو أن يتحول إلى مجتمع عسكري عقائدي تابع لـ حزب الله ومشروعه الإقليمي. لكن المشكلة أن حزب الله لا يرى نفسه طرفًا في دولة مدنية، بل يعتبر أن مشروعه فوق أي مفهوم وطني. لذا، السؤال لم يعد ما الذي يريده حزب الله، بل هل يستطيع لبنان البقاء كدولة في ظل هذا النموذج؟



