بيروت – أخباركم أخبارنا – مسعود محمد
أقرّ مجلس النواب اللبناني، في جلسته التشريعية التي عُقدت أمس الخميس، قانون رفع السرية المصرفية بصيغته المعدلة، بعدما خاض هذا المشروع طريقًا شائكًا داخل اللجان والهيئات النيابية، وسط ضغوط سياسية وإعلامية مكثفة من لوبي المصارف الذي بذل ما في وسعه لنسف جوهر القانون أو فرملته.
ويُنظر إلى هذا الإقرار على أنه خطوة أولى نحو إعادة فتح دفاتر القطاع المصرفي، وتحقيق الحد الأدنى من المساءلة حول الانهيار المالي الذي بدأ منذ خريف 2019، وبلغ ذروته مع انكشاف الفجوة المالية التي تجاوزت 70 مليار دولار.
ما الذي تضمّنه القانون؟
القانون بصيغته النهائية منح صلاحيات موسعة لكل من:
• مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف للاطلاع على الحسابات لغايات التدقيق والمراقبة؛
• شركات التدقيق الخاصة التي يكلفها مصرف لبنان رسميًا؛
• وربط التنفيذ بمراسيم تطبيقية يصدرها مجلس الوزراء مجتمعًا، لا بقرار فردي من وزير المالية.
كما أقرّ المفعول الرجعي لعشر سنوات، ما يتيح التدقيق في العمليات المصرفية خلال عقد كامل، بما فيه فترة الانهيار وتبييض الأموال وتهريبها.
لوبي المصارف والمقاومة الإعلامية
منذ بدء مناقشة المشروع، لجأت المصارف إلى حملات ضغط إعلامية وقضائية. وُظّفت فيها قنوات ووسائل مرتبطة مباشرة بجمعية المصارف – وعلى رأسها MTV – لترويج سردية تقول إن رفع السرية يضرب “ثقة المودعين” و”يهدد الاستقرار المصرفي”، متجاهلين أن الثقة ضاعت يوم حُجزت الأموال بلا وجه حق.
لقد قاومت المصارف هذا القانون لأنه يُدخل لبنان في مرحلة جديدة: مرحلة الشفافية المفروضة بالقانون، لا المؤجلة بالحجج.
الأفق المستقبلي: ماذا بعد القانون؟
رغم أهمية الخطوة، إلا أن القانون لا يزال جزءًا من صورة أكبر يجب أن تكتمل عبر تشريعات مكمّلة وقرارات تنفيذية وسياسية شجاعة، أبرزها:
- إصدار المراسيم التطبيقية فورًا
التأخير في إصدار المراسيم من قبل الحكومة، كما حدث سابقًا في قوانين أخرى، قد يُفرغ القانون من مضمونه. المطلوب أن تُفعّل الصلاحيات فورًا، وأن تُحدد الجهات المخولة وآليات العمل الدقيقة.
- إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف
أحالت الحكومة إلى البرلمان مشروع قانون يحدد معايير تصنيف المصارف القابلة للاستمرار وتلك التي يجب دمجها أو تصفيتها. هذا القانون يشكل حجر الزاوية في أي خطة تعافٍ، لأنه يحدد من يتحمل الخسائر: المصارف، الدولة، أم المودع؟
- إقرار قانون “الانتظام المالي”
وهو القانون الذي يُفترض أن يضع تصورًا شاملًا لكيفية التعامل مع الفجوة المالية، وآلية توزيعها، وجدولة سداد الأموال، وضمانات المودعين. ولا يمكن للثقة أن تعود من دونه.
- تحصين استقلالية القضاء المالي
لا يزال جزء كبير من القضاء المالي خاضعًا للتدخل السياسي أو محكومًا بالخوف من نفوذ المصارف. أي تطبيق فعلي للقانون يتطلب حماية المحققين والمراقبين من الابتزاز أو العرقلة.
- المحاسبة… لا فقط الكشف
الاطلاع على الحسابات ليس هدفًا بحد ذاته. الهدف هو تحديد المسؤوليات، ومحاسبة من هرّب الأموال، أو قام بتضليل المودعين، أو تورّط بعمليات غسل أموال أو تضارب مصالح.
ما ينقص من تشريعات
إلى جانب ما سبق، لا يزال لبنان بحاجة إلى:
• قانون كابيتال كونترول عادل ومُنصف يوقف الاستنسابية ويحمي صغار المودعين؛
• قانون استقلالية حقيقية لمصرف لبنان مع صلاحيات رقابية فعلية؛
• آليات رقابية لمحاسبة مجالس إدارات المصارف والمساهمين الكبار؛
• تشريعات لحماية المبلّغين والصحفيين الاستقصائيين الذين كانوا في طليعة من فضح المنظومة.
ما جرى بالأمس هو إنجاز تشريعي متأخر لكنه مهم، فتح الباب لثقافة المساءلة في نظام مالي بُني لعقود على التعتيم والامتيازات.
لكنّ طريق الإصلاح ما زال طويلًا، ولا تكتمل معركته إلا بكشف الحساب الكامل للمنظومة: من المصرف إلى الحكومة، ومن الحاكم إلى القاضي، ومن التاجر إلى السياسي.



