السبت, مايو 16, 2026
20.8 C
Beirut

انتخابات جبل لبنان: رسائل سياسية مبكرة واختبارات حزبية في ميزان الشارع

نشرت في

خاص: أخباركم – أخبارنا
الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الإدارية والأمنية، نجحت في تنظيم الانتخابات البلدية والاختيارية في محافظة جبل لبنان بسلاسة تُحسب لها. فلم تُسجل حوادث أمنية تُذكر، وتم التعامل مع الشكاوى القليلة التي وردت بشكل سريع وفعّال. هذا النجاح اللوجستي، الذي أتى وسط ظروف سياسية واقتصادية وأمنية دقيقة، أعاد إلى الدولة شيئاً من صدقيتها في أعين الداخل والخارج، ووجه رسالة إيجابية إلى المجتمع الدولي.

رغم الطابع الحزبي للمعارك الكبرى، لم تغب السمة العائلية عن المشهد، بل طغت في بعض البلدات على الانقسامات الحزبية، ما يدل على أن العائلات لا تزال تلعب دوراً محورياً في المعادلات المحلية، حتى ضمن المدن الكبرى. وفي هذا السياق، برزت المنافسات في بلدة الحدث والبترون وقرطبا، حيث اصطفت العائلات إما في وجه الأحزاب أو إلى جانبها بحسب المصلحة والحسابات المحلية.
ولكن رغم الطابع المحلي للانتخابات البلدية، إلا أنها لم تخلُ من البُعد السياسي، لا بل تحوّلت إلى ساحة اختبار للقوى الكبرى، خاصة في المناطق المسيحية، حيث شهدت المعركة تنافساً حاداً بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”. وقد سجل الأخير تقدماً ملحوظاً في مدن مفصلية مثل جونية وجبيل، ما عُدّ بمثابة “تسونامي انتخابي مضاد” في وجه “التيار”.

في المقابل، استطاع تيار آل المر تحقيق نتائج لافتة في المتن الشمالي، ما يفتح الباب أمام سيطرتهم المحتملة على رئاسة اتحاد بلديات المتن، في تكرار لمعادلات نفوذ متجذرة في المنطقة.

في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث الثقل الأساسي للثنائي الشيعي، خاض حزب الله وحركة أمل الانتخابات البلدية في ظل ظروف غير اعتيادية مقارنة بالدورات السابقة، إذ شكّلت هذه الجولة أول اختبار انتخابي حقيقي بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان العام الماضي، وما خلّفه من دمار واسع في مناطق الضاحية.
ورغم الطابع التوافقي المعتاد في بيئة الضاحية، برزت مؤشرات على حراك مدني وشبابي محدود، عبّر عن نفسه ببعض اللوائح المستقلة، وإن لم تشكّل تحدياً جدياً للثنائي الذي أظهر تماسكا قوياً، حيث تمكنا من الحفاظ على الغالبية الساحقة من المجالس البلدية، وسط مشاركة انتخابية اعتُبرت مرتفعة نسبياً في بعض المناطق، ما عكس قدرة تنظيمية وتعبوية لا تزال فعالة.
هذا الثبات في النتائج يرسل إشارة واضحة بأنّ حضور الثنائي لا يزال راسخاً في بيئته، لكن في المقابل، فإن تنامي الأصوات المعترضة – ولو بشكل محدود – يحمل دلالة رمزية على تغيّرات كامنة قد تبرز بوضوح أكبر في الانتخابات النيابية المقبلة، خصوصاً إذا استمرت الأزمات المعيشية والاقتصادية على وتيرتها.

في الشوف وعاليه شكّل موقف الحزب التقدمي الاشتراكي من الانتخابات البلدية في جبل لبنان، وتحديدًا في قضاء الشوف، مقاربة لافتة من حيث الشكل والمضمون. ففي حين أعلن الحزب رسميًا وقوفه على الحياد من المعارك البلدية، مؤكدًا دعمه للشباب وللخيار الحرّ في اختيار ممثليهم، جاءت الممارسة الميدانية لتكشف عن توجه أكثر تعقيدًا في بلديات اعتبرها الحزب حساسة .
المفارقة الأبرز تمثّلت في بلدة الباروك، معقل الزعامة الجنبلاطية، حيث خاض وليد جنبلاط معركة دعمًا للمرشح سيزار محمود، في مواجهة لائحة مدنية مدعومة من فاعليات محلية وشبابية. وقد أتت النتيجة مخيبة لجنبلاط، إذ خسر مرشحه الأساسي في مشهد عُدّ بمثابة صفعة سياسية في بلدة يُفترض أن الحزب يمتلك فيها نفوذًا تقليديًا راسخًا.
الخسارة في الباروك لا يمكن النظر إليها كواقعة محلية فقط، بل هي مؤشر على تحوّل تدريجي في المزاج الشعبي داخل البيئة الدرزية التقليدية، وتحديدًا بين الجيل الشاب. فالدعم المعلن من قبل الحزب التقدمي للاختيار الحر وللوجوه الشبابية، لم يُترجم عمليًا في معركة الباروك التي ظهر فيها وكأن الزعامة الجنبلاطية اختارت خوضها بمعايير قديمة لا تتماشى مع تطلعات الجيل الجديد.
ويُفهم من هذا التباين بين الموقف الرسمي والممارسة السياسية أن الحزب يواجه تحديًا في الموازنة بين إرث الزعامة الجنبلاطية وبين مطالب الجيل الجديد الطامح لتغيير حقيقي. ومع أن الحزب لم يقدّم لوائح حزبية مباشرة، إلا أن انخراطه غير المعلن في بعض المعارك الانتخابية كشف عن رغبة في الإمساك بالقرار البلدي، حتى في ظل شعار “الحياد”.
في المحصلة، شكّلت خسارة سيزار محمود في الباروك جرس إنذار داخلي للحزب التقدمي الاشتراكي، بضرورة مراجعة العلاقة مع القواعد الشعبية، خصوصًا في ظل تزايد الأصوات التي تنادي باستقلالية القرار المحلي.

مما لا شك فيه أن نتائج معركة الباروك، وغيرها من المعارك البلدية التي لم يُوفّق فيها الحزب التقدمي الاشتراكي، ستترك أثرًا واضحًا على شكل التحالفات المستقبلية التي قد يعيد الحزب صياغتها تحضيرًا للاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها الانتخابات النيابية في أيار 2026. فالتراجع في بعض المواقع البلدية يُنبئ بضرورة فتح قنوات تواصل جديدة مع المجتمع المدني والمستقلين، وربما إعادة النظر في النهج التقليدي القائم على الزعامة الفردية. كما أن الحزب بات مضطرًا لإعادة تقييم تحالفاته السياسية ضمن البيئة الدرزية ومع الحلفاء المسيحيين، لضمان حضور متوازن في مناطق التماس الطائفي والسياسي، لا سيما في الشوف وعاليه. ما بعد الباروك لن يكون كما قبله، والحزب أمام اختبار حقيقي في قدرته على التكيّف مع متغيرات الشارع، وتوسيع قاعدة تحالفاته بعيدًا عن الحصرية السياسية أو العائلية.

مؤشر انتخابي مبكر للنيابية

من أبرز الدلالات التي حملتها نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية في جبل لبنان، أنها شكلت مؤشرًا انتخابيًا مبكرًا لما يمكن أن تشهده الانتخابات النيابية في أيار 2026. فقد حرصت معظم القوى السياسية على خوض هذه المعركة بكامل ثقلها، إدراكًا منها لأهمية النتائج كـ”بارومتر شعبي” يحدد مكامن القوة والضعف.
اللافت أن المزاج العام بدا متحركًا، لا سيما في البيئات التي كانت تقليديًا محسوبة على تيارات سياسية معينة، إذ سجلت اختراقات لمرشحين مستقلين أو منشقين عن الأحزاب التقليدية، ما يشير إلى تنامي حالة الاعتراض داخل القواعد الشعبية. كما أظهرت نسبة المشاركة، التي بلغت نحو 44.5%، اهتمامًا شعبيًا رغم الظروف الاقتصادية، وهو ما يُفسَّر على أنه تحضير فعلي واهتمام جماهيري مبكر بالانتخابات النيابية المقبلة.
يمكن اعتبار المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية في جبل لبنان ناجحة على مستوى الشكل والتنظيم، ومثيرة للاهتمام من حيث النتائج والمضامين السياسية. فقد أعادت تحريك الحياة الديمقراطية في البلاد، وأظهرت أن المزاج الشعبي بدأ يتغير، وأن الاصطفافات السابقة لم تعد مطلقة. أما التحدي الأكبر فيكمن في ما إذا كانت الدولة ستتمكن من الحفاظ على هذا الزخم في المراحل القادمة، وصولاً إلى الاستحقاق النيابي المنتظر.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

عيدُ مقاومةٍ مرَّ مرورَ الكرام .. عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيد؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد عيدُ مقاومةٍ أم عيدُ مقاولة؟عيدُ تحريرٍ أم عيدُ احتكارٍ...

فتح بين ذاكرة التحرير وواقع السلطة: حين تتحول الحركة إلى إدارة أزمة لا مشروع خلاص

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم تكن حركة فتح، في بدايتها، مجرد تنظيم سياسي...

عباس إبراهيم: الهجمات ليست من فراغ… بين ملفات النفوذ وحلم المقعد النيابي

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست الهجمات الأخيرة على اللواء عباس إبراهيم من فراغ،...

حزب الله: لبناني بالولادة، إيراني بالقرار، وخطره لا يُعالَج بتسليم لبنان لطهران!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هذا المقال هو نقاش مع الصديق أسامة وهبي حول...

More like this

شهداء لا أرقام: في السادس من أيار، ذاكرة المقاومة الوطنية التي حرّرت ولم تصادر الوطن

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد في السادس من أيار، لا نستذكر الشهداء كطقس...

من وادي الحجير وعين إبل إلى سلاح حزب الله: لماذا يحق للبنانيين رفض العيش تحت مشروع لا يتّعظ من التاريخ؟

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد من مؤتمر وادي الحجير وعين إبل سنة 1920...

مهد المسيح ليس فراغاً: حين يلتقي التطرّف على طرد المسيحيين من الشرق!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد ليست الصورتان المتداولتان على وسائل التواصل مجرد مشهدين...