ملف خاص – أخباركم | أخبارنا
✍️ إعداد: جميل نعمة | قسم الشؤون الدولية
الصراع الهندي–الباكستاني: نزاع حدودي يتحول إلى خطر نووي دائم
الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت على الحدود الهندية–الباكستانية، والتي وصفت بالعنيفة وغير المسبوقة منذ سنوات، ليست مجرد حادث حدودي عابر، بل فصل جديد في ملف دامٍ لم يُطوَ بعد، منذ ولادة الدولتين في العام 1947.
تُعتبر العلاقة بين الهند وباكستان من أكثر العلاقات توترًا وتعقيدًا في جنوب آسيا، وقد تأثرت تاريخيًا بالخلافات الإقليمية والدينية والسياسية منذ تقسيم الهند عام 1947، الذي أدى إلى إنشاء دولة باكستان كدولة ذات غالبية مسلمة، بينما بقيت الهند ذات غالبية هندوسية مع وجود أقلية مسلمة كبيرة.
أبرز نقاط النزاع بين البلدين تتمثل في إقليم كشمير، الذي كان سببًا في اندلاع ثلاثة حروب بين الدولتين (1947، 1965، 1999)، إلى جانب الاشتباكات الحدودية المتكررة والتوترات الديبلوماسية. رغم توقيع اتفاقات للسلام ومحاولات للحوار، إلا أن العلاقة تبقى متقلبة، خاصة في ظل الاتهامات المتبادلة بدعم الإرهاب عبر الحدود.
اشتباكات عنيفة
وفيما تظل العلاقة بين الهند وباكستان حذرة ومتوترة، وسط دعوات دولية وإقليمية لتعزيز الحوار وبناء الثقة من أجل الاستقرار في المنطقة، شهد خط السيطرة في منطقة كشمير المتنازع عليها اشتباكات عنيفة ليل الأربعاء إلى الخميس، حيث تبادلت القوات الهندية والباكستانية إطلاق نيران المدفعية والأسلحة الرشاشة.
وأفاد الجيش الهندي بأن القوات الباكستانية قامت بقصف “غير مبرر” بالأسلحة الخفيفة والمدفعية على قطاعات عدة في الشطر الهندي من كشمير، شملت مناطق كوبوارا وبارامولا وأوري وأخنور. وردًا على ذلك، أشار بيان الجيش الهندي إلى أن قواته “تعاملت مع الهجوم بالمثل”.
وقد أبدت بعض الدول الغربية اهتمامًا بإعادة تفعيل الحوار بين الهند وباكستان، إلا أن هذه الجهود لم تثمر حتى الآن عن نتائج ملموسة. وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى اندلاع حرب واسعة النطاق تهدد الأمن والاستقرار في جنوب آسيا بأكملها.
■ الجذور التاريخية: التقسيم والنكبة الأولى
بدأ الصراع مع تقسيم شبه القارة الهندية بعد انسحاب الاستعمار البريطاني في 15 آب 1947، حيث ظهرت إلى الوجود دولتان: الهند (أغلبية هندوسية) وباكستان (أغلبية مسلمة). ومع هذا التقسيم، اندلعت أعمال عنف طائفية مروعة، خلّفت أكثر من مليون قتيل، وهجّرت ما يزيد عن 15 مليون شخص.
منذ لحظة التأسيس، ظهرت كشمير كعقدة مركزية في الخلاف، كونها منطقة ذات أغلبية مسلمة يحكمها أمير هندوسي. قراره بالانضمام إلى الهند فجّر الحرب الأولى بين البلدين أواخر عام 1947، لتتوالى بعد ذلك المواجهات:
- الحرب الأولى (1947–1948): انتهت بوقف إطلاق نار وفرض “خط السيطرة” الذي قسّم كشمير بين الهند وباكستان، لكن دون حل سياسي نهائي.
- الحرب الثانية (1965): اندلعت مجددًا بسبب كشمير، وانتهت باتفاق سلام هش برعاية سوفيتية.
- الحرب الثالثة (1971): لا تتعلق مباشرة بكشمير، بل بانفصال “باكستان الشرقية”، بدعم هندي مباشر، وقيام دولة بنغلادش.
- حرب كارغيل (1999): صدام محدود في كشمير بعد عبور قوات باكستانية خط السيطرة.
■ السلاح النووي: تصعيدٌ بلا خطوط حمراء
في عام 1998، أجرت الدولتان اختبارات نووية متبادلة، لتدخلا رسمياً نادي القوى النووية، ما أضفى على النزاع طابعًا أكثر خطورة. ومنذ ذلك الوقت، ترافق كل اشتباك مع قلق دولي من إمكان تحول أي مواجهة إلى حرب شاملة ذات طابع نووي.
■ كشمير… الجرح المفتوح
إقليم جامو وكشمير لا يزال يُشكّل صاعق التفجير الرئيسي. ففي أغسطس 2019، أقدمت الهند على إلغاء الوضع الخاص للإقليم (المادة 370 من الدستور)، ما فجّر احتجاجات داخلية وغضبًا باكستانيًا. ردت إسلام آباد بتجميد العلاقات الدبلوماسية، وتكثفت التحركات العسكرية على الحدود.
وقد تبنّت جماعات مسلحة مقرّبة من باكستان (كـ”جيش محمد” و”عسكر طيبة”) هجمات دامية داخل الهند، كان أبرزها هجوم بولواما في شباط 2019 الذي قُتل فيه أكثر من 40 جنديًا هنديًا، لترد نيودلهي بغارة جوية داخل باكستان في بلدة “بالاكوت”، لأول مرة منذ حرب 1971.
■ التصعيد الأخير: اشتباكات تهدد استقرار جنوب آسيا
تشير التقارير الميدانية إلى اندلاع اشتباكات واسعة على طول خط السيطرة بين الجيشين مؤخرًا، سقط فيها قتلى وجرحى، وسط تبادل كثيف للقصف المدفعي والصاروخي. وقد حذّرت الأمم المتحدة من “مخاطر التصعيد النووي غير المحسوب”، فيما طالبت دول كبرى مثل الولايات المتحدة، روسيا، والصين بضرورة ضبط النفس.
■ الخلاصة: هل من أفق للحل؟
بعد أكثر من 75 عامًا على الاستقلال، لا تزال العلاقة بين نيودلهي وإسلام آباد رهينة كشمير والسلاح النووي والتعبئة القومية. وبينما تتحدث الدولتان عن الحوار في المحافل الدولية، تبقى الوقائع على الأرض سيدة الموقف، وتظل جنوب آسيا واحدة من أخطر البؤر الأمنية في العالم.



