✍️ أخباركم – أخبارنا
في تطور سياسي وأمني هو الأبرز منذ سنوات، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK)، مساء الجمعة، عن انعقاد مؤتمره الثاني عشر، بين 7 و9 أيار/مايو 2025، استجابةً للنداء الذي أطلقه زعيمه المعتقل عبد الله أوجلان، الداعي إلى حل الحزب وإنهاء الصراع المسلح مع الدولة التركية.
ووصف الحزب هذا المؤتمر بـ”التاريخي”، مؤكداً اتخاذ “قرارات مصيرية” لم يُكشف عنها بعد، لكنها، بحسب مصادر مطلعة، قد تفتح الباب أمام مصالحة سياسية شاملة، ونهاية محتملة لتمرد دام أكثر من أربعة عقود.
أربعون عاماً من الحرب: خلفية مختصرة
تأسس حزب العمال الكردستاني في عام 1978 بقيادة عبد الله أوجلان، وبدأ تمرده المسلح ضد الدولة التركية عام 1984، تحت شعار إقامة دولة كردية مستقلة. وخلال العقود الماضية، خلف النزاع أكثر من 40 ألف قتيل، وعمّق الانقسامات الإثنية، وخلّف أضرارًا جسيمة في جنوب شرق تركيا.
ورغم انخراط الطرفين في محاولات تفاوض، أبرزها بين 2013 و2015، إلا أن تلك المبادرات انهارت، لتعود الاشتباكات العسكرية بوتيرة أعنف.
نداء أوجلان ونقطة التحوّل
في شباط/فبراير 2025، وخلال زيارة لنواب من حزب “المساواة وديمقراطية الشعوب” (DEM)، وجّه أوجلان نداءً غير مسبوق دعا فيه إلى إلقاء السلاح، حل الحزب، وبدء مسار سياسي تفاوضي شامل، مشيراً إلى أن “الزمن تجاوز لغة الرصاص”.
وقد مثّلت هذه الدعوة تحوّلًا استراتيجياً في خطاب أوجلان، الذي بدا مستعداً لإعادة تعريف دور الحركة الكردية ضمن إطار الدولة التركية لا خارجها.
أجواء التفاوض: مؤشرات على تفاهم
مصادر قريبة من حزب “DEM”، الذي يلعب دور الوسيط، أكدت لـ”أخباركم – أخبارنا” أن أجواء المؤتمر كانت “إيجابية”، مشيرةً إلى أن الحزب بات مستعداً لحل نفسه فعلياً مقابل ضمانات حكومية، تشمل على الأرجح نقل أوجلان من السجن إلى الإقامة الجبرية، وتفعيل خطوات متبادلة للتهدئة.
ولفت المصدر إلى أن حضور شخصيات حكومية بارزة في جنازة النائب الكردي سري سريا أوندر – المعروف بـ”مهندس السلام” – كان إشارة مهمة إلى انفتاح حكومي على التسوية.
كما تجري ترتيبات لزيارة وفد من حزب “DEM” لأوجلان في سجنه بجزيرة إيمرالي، يتبعها على ما يبدو إعلان مشترك لخطوات أولية من الطرفين.
آراء الخبراء: من السلاح إلى السياسة؟
الخبير التركي حيدر تشاكماك اعتبر أن “بيان الحزب يعكس تفاهمًا ضمن جدول زمني بين الحكومة والعمال الكردستاني”، مشيراً إلى أن “الانتقال إلى العمل السياسي بات وشيكًا”.
في المقابل، قال الباحث الكردي طارق حمو إن المؤتمر هو “استجابة مباشرة لنداء أوجلان”، وقد يشكل بداية مرحلة حوار ديمقراطي يُنهي واحدة من أقدم حركات التمرد في المنطقة.
التأثير الإقليمي: سوريا في قلب التغيير
لا يمكن فصل التطورات في تركيا عن تداعياتها في سوريا، حيث ترتبط “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”وحدات حماية الشعب” الكردية بعلاقة وثيقة مع حزب العمال الكردستاني أيديولوجياً وتنظيمياً، وإن لم تكن رسمية.
ويرى مراقبون أن أي تفكيك محتمل لحزب العمال الكردستاني، سيؤثر حتماً على هيكلية ونفوذ القوى الكردية في شمال سوريا، وقد يدفع إلى تحوّل في الخطاب السياسي والإستراتيجي للإدارة الذاتية، وربما نحو انفتاح أكبر على دمشق، في ظل تقارب تركي–سوري برعاية روسية وإيرانية.
كما أن أنقرة قد تستخدم هذا التطور لتكثيف الضغط السياسي والعسكري على الكرد السوريين، من منطلق “إنهاء التمرد الكردي إقليميًا”، بحسب مراقبين.
التأثير على كردستان العراق وإيران: مراجعة تموضع وقلق من الفراغ
في شمال العراق، حيث توجد قواعد الحزب التاريخية في جبال قنديل، تثار تساؤلات حول مصير المقاتلين في حال حلّ التنظيم. وتشير مصادر ميدانية إلى خشية من أن تستغل تركيا أي انسحاب محتمل لتوسيع نفوذها العسكري والأمني داخل إقليم كردستان، خصوصًا بعد سنوات من العمليات العسكرية الجوية والبرية ضد معاقل الحزب هناك.
أما في إيران، فإن فصائل مثل “كومله” و**”الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني”** تتابع الوضع عن كثب. ويخشى مراقبون أن تستثمر طهران في هذا الانعطاف للضغط على الحركات الكردية المسلحة على أراضيها، بزعم أن “التمرد الكردي انتهى في تركيا ولا ضرورة لاستمراره في إيران”.
في المقابل، يرى آخرون أن المرحلة المقبلة قد تدفع القوى الكردية الإيرانية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها نحو العمل السلمي والمؤسساتي، خاصة بعد تراجع الدعم الإقليمي والدولي لها، وتغيّر الأولويات بعد احتجاجات 2022.
المكتسبات المنتظرة لأكراد تركيا
في حال نجاح هذا المسار التفاوضي، فإن المكتسبات المحتملة للكرد داخل تركيا قد تعيد تعريف علاقتهم بالدولة بشكل جذري. وهذه أبرز المحاور المنتظرة:
- الاعتراف الدستوري بالهوية الكردية: إدراج الكرد كمكوّن قومي رسمي في الدستور التركي، مع مراجعة الخطاب الموحد حول الهوية.
- توسيع المشاركة السياسية: ضمان تمثيل عادل، حرية تشكيل الأحزاب، وإنهاء الإقصاء الممنهج.
- الحقوق الثقافية واللغوية: إدخال اللغة الكردية في التعليم والإعلام، وفتح أقسام جامعية مختصة.
- رفع القيود الأمنية والإدارية: وقف تعيين “الوصاة” على البلديات، وضمان الحريات في المدن الكردية.
- برامج إنمائية عادلة: إطلاق مشاريع اقتصادية في مناطق الأغلبية الكردية ودمجها تنموياً بالدولة.
- مصالحة وطنية: كشف مصير المفقودين، التحقيق في الانتهاكات، وتأسيس هيئة مصالحة وعدالة انتقالية.
- نزع السلاح وتطبيع سياسي: تأهيل مقاتلي الحزب السابقين، إطلاق المعتقلين السياسيين، وتحويل أوجلان إلى الإقامة الجبرية كخطوة رمزية.
نحو تسوية تاريخية؟
لا شك أن المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني قد فتح بابًا جديًا للتفاؤل، لكنه في الوقت نفسه طرح أسئلة مصيرية عن مستقبل الحركات الكردية المسلحة في الإقليم، وإمكان الانتقال من السلاح إلى السياسة، ومن المواجهة إلى التمثيل.
ويبقى الرهان الأكبر اليوم على صدقية الطرفين، ومدى التزام الدولة التركية بإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع الكردي، لا باعتباره تهديداً، بل مكوّناً أصيلاً من مكونات الجمهورية.
ومثلما قال أحد المراقبين المقربين من الحزب:
“إما سلام تاريخي… أو فرصة أخيرة تضيع كما ضاعت كثيرات قبلها.”



