الأربعاء, مايو 13, 2026
20.8 C
Beirut

بيان المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني: خذلان سياسي أم تحول استراتيجي؟

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / بقلم: د. صلاح حدو

يمثل البيان الصادر عن المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني محطة مفصلية في مسار القضية الكردية، لكنه – للأسف – ليس من النوع الذي يمكن وصفه بالإيجابي أو التاريخي بالمعنى التحرري للكلمة. بل هو، في جوهره، بيان خذلان وبيع مجاني لتضحيات أجيال من الكرد، الذين ناضلوا ودفعوا أثمانًا باهظة تحت شعار “تحرير وتوحيد كردستان”.

إن توقيت إعلان حل الحزب ونزع سلاحه دون أي ضمانات سياسية أو دستورية حقيقية، يُعدّ انتصارًا للسياسة الأمنية التركية، ولشخص رجب طيب أردوغان، أكثر من كونه مكسبًا للشعب الكردي. فهذا القرار سيترك تداعيات نفسية وسياسية قاسية على كرد باكور (كردستان تركيا)، خاصة أنه يأتي في لحظة ضعف إقليمي، وغياب أي إطار دولي ضامن لحقوق الكرد.

إنه بيان يعيد إلى الأذهان ما فعله حسن خيري بك حين وقّع مع عصمت إينونو على اتفاق أجهض معاهدة سيفر، وألغى بذلك الحلم الكردي مقابل أوهام اندماج بلا حقوق. الفرق الوحيد هو تبديل الأسماء: من خيري بك إلى عبدالله أوجلان، ومن إينونو إلى دولت باهتشلي.

🕰️ خلفية تاريخية: من معاهدة سيفر إلى لوزان… ثم إلى مؤتمر قنديل

في العام 1920، نصّت معاهدة سيفر بين الحلفاء والدولة العثمانية على حق الأكراد في تقرير المصير، بل وفُتح الباب أمام إمكانية تأسيس دولة كردية مستقلة جنوب شرقي تركيا. ورغم أن المعاهدة لم تنفذ بالكامل، فإنها كانت أول وثيقة دولية تعترف بالكيان الكردي.

لكن بعد ثلاثة أعوام، وتحديدًا في عام 1923، جاء مؤتمر لوزان ليقلب الطاولة. بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وممثله عصمت إينونو، نجحت تركيا في فرض رؤيتها على المنتصرين في الحرب العالمية الأولى. لم تأت معاهدة لوزان على ذكر الأكراد، لا من قريب ولا من بعيد، وتمّ تجاهل البنود الكردية التي نصت عليها معاهدة سيفر.

الخذلان التاريخي للأكراد في لوزان كان مدويًا: لم يُعترف بهم كقومية، ولا كمكون ثقافي أو لغوي، بل جرى التعامل معهم كـ”أتراك جبليين” ضمن سياسة التتريك القسري. ويُقال إن بعض الزعامات الكردية، مثل حسن خيري بك، سُحبت إلى تفاهمات جانبية ووعود اندماج كاذبة ساهمت في إسقاط المشروع الكردي.

اليوم، في مؤتمر قنديل، يبدو المشهد متكررًا: تنازل مجاني عن أدوات الضغط (السلاح والتنظيم) دون مقابل حقيقي، وفي غياب أي تعهد دولي أو تعديل دستوري يعترف بالكرد كمكون في الدولة التركية. إنها لوزان جديدة، ولكن بأسماء مختلفة.، وألغى بذلك الحلم الكردي مقابل أوهام اندماج بلا حقوق. الفرق الوحيد هو تبديل الأسماء: من خيري بك إلى عبدالله أوجلان، ومن إينونو إلى دولت باهتشلي.

ما يزيد من خطورة هذا البيان هو احتمال أن ترتد تداعياته سلبًا على روج آفا (شمال وشرق سوريا). فإذا ما انسجم مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مع مخرجات المؤتمر بهذا الشكل المجاني، فقد يفقد الأكراد في روج آفا الدعم الدولي، وعلى رأسه دعم التحالف الدولي لمحاربة داعش.

أرواح الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن مشروع الحرية الكردية لا يمكن أن تُختزل ببيان يعلن نهاية الكفاح المسلح وكأن النضال كان خطأ يجب تصحيحه، دون أن تحقق القضية الحد الأدنى من أهدافها. أين الاعتراف الدستوري؟ أين الفيدرالية؟ أين الضمانات؟

أتوقع أن يظهر رفض داخل صفوف حزب العمال الكردستاني نفسه، وربما أصوات عالية تعارض هذا المسار الاستسلامي، لكن يبقى السؤال: هل ستكون هذه الأصوات وازنة بما يكفي لإعادة تصويب المسار؟

كنتُ أتمنى – على الأقل – أن يكون ثمن إلقاء السلاح هو تعديل دستوري يكرّس الشعب الكردي كمكون مؤسس في تركيا، ويضمن له حداً أدنى من الحكم الذاتي أو الفيدرالية، لا أن يُختزل النضال التاريخي بمصافحة رمزية أو وعد فارغ من أردوغان.

ختامًا، ما جرى لا يمكن تسويقه كثورة سياسية أو كتحول ناضج، بل هو هزيمة مجانية على طاولة غير موجودة. إنها نهاية صامتة لتاريخ عاصف، لكنها ليست نهاية القضية الكردية، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا ووجعًا.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

كرد سوريا بين خدعة الحقوق وطبقة سياسية أهدرت القضية!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ما جرى في قصر العدل بالحسكة لا يمكن التعامل...

الحلقة الرابعة: القضية المركزية — المقاومة الوطنية اللبنانية في مرحلة ما بعد اجتياح عام ١٩٨٢!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم بعد مرحلة ما عُرف بحرب السنتين، أخذ المشروع الإسرائيلي الأمريكي...

نقاش السلاح بين الخيارات والألوان: حقيقة واحدة لا رمادية فيها

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد السؤال الذي لا يجوز الهروب منه في النقاش اللبناني...

محررون بوجوه الغزاة: عن الفاشية الصغيرة داخل الجندي المنتصر!

أخباركم - أخبارنا / مسعود محمد «مع الألمان كنّا نُخفي رجالنا؛ ومع الأمريكيين صرنا...

More like this

الحلقة الرابعة: القضية المركزية — المقاومة الوطنية اللبنانية في مرحلة ما بعد اجتياح عام ١٩٨٢!

أخباركم - أخبارنا/ حسين قاسم بعد مرحلة ما عُرف بحرب السنتين، أخذ المشروع الإسرائيلي الأمريكي...

النبطية… حين يُقصف القلب

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ليست النبطية مدينة عابرة في الذاكرة.هي ليست اسماً على...

لا تطلبوا منّا أن نختار سجّاننا: ضد إسرائيل، ضد إيران، ضد الاستبداد

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد هناك خطأ سياسي وأخلاقي يتكرر في النقاش العربي كلما...