بقلم: مسعود محمد – أخباركم/أخبارنا
في الثامن عشر من أيار عام 1987، سقط مهدي عامل، أو حسن حمدان، شهيدًا للفكر الحر في شارع كان يسمى آنذاك “بيروت الوطنية”، لكنه سقط برصاصة مقيتة من كاتم للصوت، محشوٍ بظلامية لا تعرف سوى القتل وسيلة لإخماد النور. كان في طريقه إلى الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية، حيث اعتاد أن يُدرّس الفلسفة والسياسة والمنهجيات، لا من خلف المكاتب فقط، بل من عمق الميدان المقاوم، حيث مارس ما كتبه، وكتب ما مارسه.
“أما أن يكون الفكر نقديًا، أو لا يكون… أما أن يكون الفكر مقاوِمًا أو يكون مخصيًا”. هكذا علّمنا مهدي عامل، وهكذا بقي، شهيدًا يقتات على نوره جيلٌ من الحالمين بعقل حر وعدالة شاملة.
قتلوه لأنه رفض التسليم، واغتالوه لأنه كان عقلًا صلبًا يقاوم، ومفكرًا لا يقبل التطويع.
لمن يريد أن يغيّر التاريخ…
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، انقطع الدعم السوفياتي، ووقّع النظام السوري على وقف إطلاق النار مع العدو الإسرائيلي، في وقت كانت بيروت محاصرة. هنا، أطلق جورج حاوي مع رفيقه محسن إبراهيم نداء حمل السلاح في وجه الاحتلال. كتب “أبو أنيس” البيان وأرسله مع مدير مكتبه مصطفى أحمد إلى محسن إبراهيم للموافقة، فنشرته جريدة «النداء» في صدر صفحتها الأولى، بينما خجلت صحف أخرى من نشره إلا كخبر داخلي صغير.
لكن البيان تحوّل إلى نار، أحرقت من قالوا إن “العين لا تقاوم المخرز”، وانطلقت عمليات المقاومة الوطنية في كل لبنان، وصولًا إلى تحرير بيروت والجبل. كانت هذه ضربة كف للنظام السوري، الذي رآها تهديدًا مباشرًا لمشروعه بالتفرد والسيطرة. فبدأ بتصفية “العَصَب” القيادي والفكري للحزب الشيوعي اللبناني وللقوى الوطنية: حسين مروّة، مهدي عامل، خليل نعوس، سهيل طويلة، وغيرهم من الكوادر الذين اغتيلوا بكواتم الصوت بأوامر مباشرة من الأجهزة السورية، وبمشاركة فاعلة من ميليشيا “أمل” وحزب الله.
حين فشل المشروع السوري في إخضاع المقاومة بالترهيب السياسي والعسكري، لجأ إلى الاغتيالات. أما التهمة، فكانت واحدة: “رفض التبعية… والإصرار على وطن حر ومقاومة وطنية علمانية مستقلة”.
مهدي عامل… كابوسهم إلى الأبد
مهدي عامل لم يكن فقط مفكرًا ماركسيًا يكتب بلغة منهجية دقيقة، بل كان حالةً فكرية ثورية. قاتلُه لم يكن فقط قاتل جسد، بل كان خائفًا من الفكرة، من المعرفة، من النقد، من الفلسفة. حتى غازي كنعان، قائد الاستخبارات السورية في لبنان حينها، حضر إلى مركز الحزب ليعزّي، وقال بوقاحة: “مش حرزانة ينقتل حسن حمدان مشان تفهموا!”، في اعتراف ضمني بارتكاب الجريمة، و “رسالة” ضمنية لمن تبقّى من العقل المقاوم.
ولا يمكن لمن قتل باسم “الدين” زورًا أن ينسى ضحيته، فمهدي عامل كان وسيبقى كابوسًا يُطارد قاتليه. أنا أعلم يقينًا أن حسن نصر الله كان يراه في منامه، يهذي به، فهو العدو الأخطر لعقلية ترفض النقد، وتخاف من المعرفة، وتقدّس السلاح فوق الإنسان.
يوم الكلمة الحرّة… 19 أيار
وفي اليوم التالي لاغتياله، أُعلن 19 أيار يومًا لحرية الكلمة والبحث العلمي، إكرامًا لمفكر لم يساوم، لم يخضع، ولم يتراجع عن حلمه بوطن ديمقراطي، علماني، مقاوم. وقد صار باغتياله، رغمًا عنه، أحد أصغر شهداء الفكر في العالم العربي، إذ وُلد عام 1936.
في ذكرى اغتياله، لا نرثيه، بل نقرأه من جديد، ونقاوم باسم ما خطّت يداه، ونواصل فضح قتلة العقل، قتلة الكلمة، قتلة الفكرة، أيًا كانت أقنعتهم أو عمائمهم أو سلاحهم. فمهدي عامل لم يمت. ما زال حيًا فينا، منارةً لكل من أراد أن يغيّر التاريخ لا أن يُدجَّن في زواياه.
لمن يريد أن يكتب فجرًا جديدًا… اقرأ مهدي عامل.
لمن يتجاهل الحدث… هل سمعتم بصاحب “نقد الفكر اليومي”، و”الدولة الطائفية” حسن حمدان، المعروف باسم مهدي عامل، الذي لم يصدق أنه سيُقتل في بيروت المقاومة وهو ابن الجنوب؟ الأستاذ الجامعي المرموق الذي كانت مدرجات محاضراته تمتلئ بمريديه أكثر من طلابه، كانوا يأتون من كل حدب وصوب لمناقشته في الثقافة والثورة، في تمرحل التاريخ، وفي التساؤل: أهي أزمة حضارات عربية، أم أزمة برجوازية عربية؟
يا قتلة مهدي عامل، إن كنتم لا تعلمون، حسن عبد الله حمدان وُلد في بيروت عام 1936، وكان مفكرًا وطنيًا علمانيًا لبنانيًا، ابن بلدة حاروف الجنوبية قضاء النبطية. تلقى علومه في مدرسة المقاصد في بيروت، ونال شهادة الليسانس والدكتوراه في الفلسفة من جامعة ليون في فرنسا. درّس الفلسفة في دار المعلمين بقسنطينة في الجزائر، ثم في ثانوية صيدا الرسمية للبنات، وانتقل بعدها إلى الجامعة اللبنانية – معهد العلوم الاجتماعية، كأستاذ متفرغ لمواد الفلسفة والسياسة والمنهجيات.
كان عضوًا بارزًا في اتحاد الكتّاب اللبنانيين، والمجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ورابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية. انتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني عام 1960، وانتُخب عضوًا في اللجنة المركزية للحزب في مؤتمره الخامس عام 1987.
في الثامن عشر من أيار من العام نفسه، اغتيل في أحد شوارع بيروت التي كانت تُسمّى حينها “بيروت الوطنية”، برصاصات الغدر وهو في طريقه إلى جامعته. وعلى إثر اغتياله، أُعلن يوم التاسع عشر من أيار من كل عام “يوم الانتصار لحرية الكلمة والبحث العلمي”.
في الثامن عشر من أيار عام 1987، في أحد شوارع بيروت، وهو في طريقه إلى جامعته – الجامعة اللبنانية، تم اغتيال مهدي عامل، منظر الثورة وشهيدها، معري الطائفية ورموزها، أمراء الحرب الأهلية، ناقد الفكر اليومي الظلامي وجهله، مبتكر مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي بتناقضاته وتبعيته، محلل أزمة الحضارة وتخلفها، نابش التاريخ والفكر الخلدوني، مقدماً دراسته لإصلاح تعليم الأجيال، منتقد المتصهينين من القضية الفلسطينية، ورافع شعار “لست مهزومًا ما دمت تقاوم” في وجه الاحتلال ودوره فيه، وعندما انطلقت أولى عمليات المقاومة ضد الاحتلال، عاد المقاومون إليه.
هلال بن زيتون، الرفيق طارق، مهدي عامل… أسماء لمناضل واحد اسمه الحقيقي حسن حمدان. أما “مهدي عامل” فهو الاسم المستعار الأشهر، الذي استلهمه من “جبل عامل” في جنوب لبنان حيث جذوره الجغرافية، و”المهدي” كرمزية للمخلص المنتظر في البيئة الشعبية والثقافية التي ولد فيها.
مهدي عامل، المفكر، الشاعر، والمقاتل المتفاني، الذي عمل على كل الجبهات دون كلل أو ملل، جال الوطن من شماله إلى جنوبه، محاضرًا، مناقشًا، شارحًا لفكره، ومجسدًا بأسمى صورة المثقف الثوري، حتى امتدت إليه أيادي الغدر الظلامية في الثامن عشر من أيار، لترديه شهيدًا ضمن لائحة طويلة من المثقفين الثوريين من كوادر الحزب الشيوعي اللبناني.
إن الهدف من اغتيال هؤلاء المثقفين كان اغتيال التاريخ النضالي للحزب الشيوعي، وإلغاء دوره المقاوم في وجه العدو الصهيوني وأدواته، وفي مواجهة أعداء الداخل من القوى الظلامية والفاشية، وحرف نهجه القائم على نبذ الطائفية وبناء مجتمع ديمقراطي حر.
لقد اغتيل مهدي عامل لأنه اخترق الطوائف وعراها بالحجة والمنطق، ورفع صوته عاليًا في وجه جنون التعصب الأعمى الذي يعصف بالمجتمعات. اغتيل لأنه مفكر ثوري منتج، شكل خطرًا على طغاة الطوائف الذين عجزوا عن الرد عليه فكريًا، فلجأوا إلى الرصاص.
فمهدي عامل لم يكن مفكرًا حبيس كتبه، بل مقاومًا من الطراز الأول، ثائرًا بكل المعاني، ملتزمًا بحزبه، مندمجًا في توعية الجماهير وحثها على النضال ضد المحتل ومن أجل التغيير وبناء مجتمع حر ومستقل يحقق العدالة والمساواة.
وإن كانت رصاصات الغدر قد اخترقت جسده وأسكتت نبضه، فإنها لم ولن تتمكن من اغتيال فكره المتوهج والمشع نورًا.
فإلى مهدي عامل، وإلى شهداء الغدر، ألف تحية ووردة… والخزي والعار على جبين دعاة الجهل والظلام.
قبل ما تصوت اليوم تذكر مهدي وتذكر من اغتاله وصوت بضميرك.



