أخباركم – أخبارنا
حنا صالح
في صبيحة اليوم الـ2048 على بدء ثورة الكرامة،
عندما يتم التوقف أمام أعداد الفائزين في الانتخابات البلدية، تبرز حقيقة أن القوى التقليدية الطائفية تمكنت من الإمساك بالسلطة المحلية، لكن الجديد أن كل هذه القوى خرجت من الانتخابات أضعف من أي وقت مضى. صحيح أن “الثنائي المذهبي” أعاد الاستئثار، واتسع وجود حزب القوات، ولم يتراجع كثيراً التيار العوني، إلخ… لكن عندما يتم التوقف أمام الأرقام والمواجهات والاحتمالات، لا يبدو أن هناك قوى صاعدة انتصرت بشكل مريح.
لقد ربحت قوى هي بالنهاية مافيات المذاهب التي تم تجريبها في العقود الماضية، وأثبتت فشلها المطلق، ومسؤوليتها عن كوارث تردي الخدمات وانهيار البنى التحتية في المدن والبلدات، وعجزها عن تأمين الحد الأدنى من مصالح الناس، بما في ذلك مصالح جمهورها المباشر.
لكن لأول مرة تُبرز الانتخابات البلدية قوى مدنية جديدة واجهت كل القوى الطائفية. وللتوضيح، فإنه في العام 2016 حدثت مواجهة واحدة ومهمة، تلك التي خاضتها “بيروت مدينتي”، لكن في هذه الانتخابات بدت هذه القوى، رغم غياب التنظيم، أنها الوحيدة التي تواجه تحالف الفساد، فتجرأت على مواجهة السلاح اللاشرعي وسائر قوى نظام المحاصصة الطائفي. هي بهذا المعنى بدت القوة الحقيقية الشفافة الساعية لاستعادة الدولة، لكن سقف خطابها السياسي كان قاصراً عن إبراز هويتها، وعاجزاً عن مناقشة جادة لمسؤوليات القوى الطائفية عن مآسي البلد.
هنا يبرز كذلك الأثر السلبي لانعدام إشغال فراغٍ سياسي ما كان ليتأمن إلا ببروز تنظيم أو تنظيمات تغييرية، وعدم الاكتفاء بالركون إلى المناخ التغييري وحده ليصنع الفارق. ما تقدم يطرح الأسئلة الجدية ويستدعي بذل الجهد لبلورة الأجوبة وأخذ العبر للبناء عليها!
وحتى يكون الطرح منصفاً، فإن قوى التغيير عبر مجموعة من نوابها، كان لها تأثير ملموس في وصول نواف سلام إلى السلطة، فقد أُلصق بها نتائج منحى أداء السلطة التنفيذية، لجهة البطء في خطوات الإصلاح، وأساساً في استكمال تنفيذ اتفاق وقف النار، خاصة حصر السلاح بيد القوى الشرعية.
هناك مراوحة مقلقة أمام تعنت حزب الله لجهة التمسك ببقاء سلاحه، كما مراوحة أمام دور اللوبي المصرفي والمافيا المالية المتجذرة في البرلمان المانعة للإصلاح، ما أعطى الناس صورة سلبية عن نتائج المنحى الجديد، ليتم تحميل مناخ التغيير وقوى التغيير غير الممثلة بالحكومة المسؤولية!
وبالانتقال إلى المشهد الإقليمي، ومع اقتراب زيارة الموفدة الأميركية أورتاغوس وما ستحمله هذه المرة، لا يبدو أن حزب الله في وارد الرضوخ لواقع أن اللعبة المدمرة بالنسبة لـ”المقاومة” قد انتهت، رغم أن الأذرع الإيرانية تهاوت قبل سقوط النظام السوري وهرب بشار الأسد من دمشق. لكن يبدو أن نظام الملالي ما زال يوحي بأنه قادر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهو يراهن على “شيء ما” في المفاوضات مع الأميركيين. وهذا “الشيء ما” هو ما يدفع حزب الله إلى الرهان على إمكانية بقاء سلاح لا وظيفة له في الإقليم ولا ضد العدو، والحزب يعرف أن أميركا وإسرائيل تعلمان ذلك، لكن لا يضير العدو الحفاظ على سلاح هو الوصفة الناجحة لمنع استعادة الدولة ومنع التعافي.
في هذا السياق جاء خطاب الشيخ نعيم، فالرجل يؤكد دورياً وبشكل ممل عجز حزبه عن القدرة على أي مراجعة، وانعدام الرغبة لديه بأخذ العبر رغم سقوط كل سردياته عن دور السلاح. لقد أعاد الحديث عن الثلاثية، ومثير للسخرية عندما يضع حزب الله نفسه في موقع المنتصر:
“لا تطلبوا منا شيئاً بعد الآن، فلتنسحب إسرائيل وتوقف عدوانها وتفرج عن الأسرى، وبعد ذلك لكل حادثٍ حديث”!
فالسؤال: أين أصبح الحوار الرئاسي مع حزب الله؟ وما الذي أسفر عنه مع هذا الكلام الذي استتبعه قاسم بتهديد الدولة بأن “الفرصة” التي منحها لها الحزب رح تخلص، لأنه “إذا فشلت الدولة في التصدي للعدوان الإسرائيلي المستمر فالخيارات الأخرى موجودة”! إذهب يا شيخ إلى “الخيارات الأخرى”، ماذا تنتظر؟!
وكلن يعني كلن، وما تستثني حدن منن.



