أخباركم – أخبارنا/ تقرير لبنان السياسي
يشهد لبنان في الآونة الأخيرة حراكًا سياسيًا متعدّد المسارات بين الداخل والخارج، في محاولة لاحتواء التدهور المتواصل على أكثر من صعيد، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
في الخارج، برزت زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى العاصمة العراقية بغداد، حيث التقى نظيره العراقي عبد اللطيف رشيد ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وتوسيع آفاق التعاون العربي مع بيروت. وأكد الرئيس العراقي خلال اللقاء دعم بلاده الكامل للبنان، مشيرًا إلى أن العراقيين يشعرون بمعاناة اللبنانيين كأنها تمسهم شخصيًا، واصفًا العلاقة بين البلدين بأنها وثيقة ومتجذرة. من جهته، ثمّن الرئيس عون الدور العراقي في دعم لبنان، لا سيما في ملف الطاقة عبر إرسال كميات من النفط خلال السنوات الماضية، مشددًا على أهمية تطوير التعاون الثنائي وتفعيله في مختلف المجالات.
وخلال لقائه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث عون سبل تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية، وتم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة ملفات التعاون في مجالات التبادل التجاري والتنسيق الأمني. كما تناولت المحادثات آلية تفعيل “صندوق التعافي العربي”، الذي ساهم فيه العراق سابقًا بمبلغ 20 مليون دولار دعمًا للبنان، وسط تأكيد الطرفين على ضرورة تنشيط العمل العربي المشترك في الملفات السياسية والاقتصادية. ولم تغب القضايا الإقليمية عن اللقاءات، إذ شدد الجانبان على ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ورفض استهداف المدنيين، مؤكدين دعم القضية الفلسطينية كقضية مركزية، وضرورة حمايتها من محاولات الإلغاء أو التهميش. واختتمت الزيارة باتفاق على تفعيل الاتفاقيات السابقة بين البلدين، ووضع جدول زمني لاجتماعات اللجنة المشتركة، تمهيدًا لتوقيع مذكرات تفاهم جديدة تشمل مجالات الطاقة، والصحة، والتعليم.
في الداخل، تتعدد الانشغالات، أبرزها الملف المتعلق بتجديد ولاية قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب، وسط محاولات إسرائيلية لمحاصرة دور هذه القوات والتأثير على تفويضها وصلاحياتها. وقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري عن تشكيل لجنة رسمية تتولى صياغة رسالة موجهة إلى مجلس الأمن الدولي تطلب التجديد لليونيفيل من دون أي تعديل في مهامها، بما يحفظ التوازنات القائمة ويحمي القرار الدولي من محاولات التسييس أو التلاعب.
وفي سياق آخر، وجّه وزير المالية ياسين جابر كتابًا إلى شركات تحويل الأموال المتعاقدة مع وزارة المالية لتحصيل الرسوم والضرائب من المكلفين، شدد فيه على ضرورة الالتزام بتحويل الأموال المقبوضة إلى حساب الوزارة لدى مصرف لبنان ضمن المهل القانونية المحددة بموجب المرسوم رقم 12641 الصادر بتاريخ 5 كانون الأول 2023. وأكد جابر أن أي تأخير في تحويل هذه الأموال سيؤدي إلى فرض فائدة تساوي فائدة سندات الخزينة من فئة الثلاثة أشهر، على ألا تقل عن 500 ألف ليرة لبنانية، محذرًا من اتخاذ إجراءات قانونية بحق الشركات المخالفة. وبحسب نص المرسوم، فإن عملية التحويل تتم ثلاث مرات في الأسبوع، في أيام الإثنين والأربعاء والجمعة، على أن تغطي التحويلات أيام الجباية المحددة. وأشار جابر إلى أن الضرائب والرسوم التي تتولاها هذه الشركات تُعد أموالًا عمومية، وتحمّل الشركات مسؤولية قانونية مماثلة للمحتسب الرسمي، في حال الإخلال بالتسليم أو سوء التصرف أو الانتفاع.
على خط المواقف الدينية، أطلق البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي صرخة وجدانية من بكركي، تناولت الواقع السياسي والروحي للبلاد، مؤكدًا أن ما يمرّ به لبنان من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية ومالية يتطلب العودة إلى قيم الالتزام والشراكة الحقيقية. واعتبر أن المحبة الصادقة وحدها قادرة على ردم الانقسامات وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد، داعيًا إلى جعل المحبة التزامًا ومصالحة وعدالة وتضحية من أجل الآخر، خصوصًا من هو في حاجة أو ضيق. ووجّه الراعي نداءً إلى المسيحيين واللبنانيين عمومًا للانخراط في الشأن العام، ليس فقط من داخل جدران الكنيسة، بل من قلب المجتمع، مشددًا على أن لبنان يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بثقافة الحياة والحوار والخدمة، لا بثقافة الإلغاء والنزاع والمنفعة. وانتقد البطريرك بعض الممارسات السياسية بعد الانتخابات البلدية، معتبرًا أن مظاهر الرقص والاحتفال والاستفزاز تجاه الخاسرين تزرع التشنج وتؤجج النزاعات داخل البلدة الواحدة، وتخلق أجواءً من العداوة والانقسام بدل الوحدة، داعيًا إلى التواضع والمصالحة.
في المواقف السياسية، حذّر الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من مغبة اتخاذ قرارات متسرعة قد تعيد البلاد إلى دوامة نحن بغنى عنها، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون للإصلاح الجدي والمدروس بدل الاندفاع في قرارات قد تكون مكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
أما المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان، فقد صعّد لهجته ضد الحكومة، معتبرًا أنها تفتقد إلى الأولويات، وتُغرق البلاد في أزمات بنيوية جديدة، بفعل قرارات ارتجالية تزيد من أعباء الانهيار. وأشار قبلان إلى أن قرار رفع أسعار المحروقات جاء ليعمّق الضغوط على الطبقة الفقيرة، بدل اللجوء إلى محاربة التهرب الضريبي، وتحسين الجباية، واستثمار أصول الدولة، ومحاربة الفساد، وتشجيع الشراكة مع القطاع الخاص، وتنشيط الاقتصاد غير الضريبي. واعتبر أن الحكومة تفتقر إلى أي رؤية إصلاحية متماسكة، وتتّخذ خطوات تضرب ما تبقى من أمل في إنعاش الاقتصاد، لا سيما في القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة.
وأكد المتحدث باسم اليونيفيل أندريا تيننتي، أن “القرار 1701 الذي نطبقه اليوم يعطي اليونيفيل حق حرية التحرك مع أو بدون الجيش اللبناني وهذا الامر مستمر منذ العام 2006”.
وتابع في حديث لـ”الجديد”، “علينا إعادة الاستقرار إلى الجنوب والأهم اعادة السكان الى جنوب لبنان والى كل القرى المدمرة وعلى الجيش الإسرائيلي مغادرة جنوب لبنان لأن وجوده هو احتلال”.
في ظل هذا المشهد، لا يزال اللبنانيون ينتظرون خطوات ملموسة تخرج البلاد من حال الشلل السياسي والاقتصادي، وسط صراع الإرادات والانقسامات، بينما تتجه الأنظار إلى القمة العربية المقبلة وما قد تحمله من إشارات على مستوى الدعم الخارجي، في وقت تبدو الحاجة أكثر من ملحّة إلى وحدة داخلية تنتقل من القول إلى الفعل، ومن التنظير إلى التنفيذ.



