الأحد, أغسطس 16, 2026
31.3 C
Beirut

زيارة عون إلى الجزائر: تجديد التعاون فوق أرضية متينة وبدون صخب إعلامي

نشرت في

أخباركم ـ أخبارنا

كتبت فاطمة حوحو


في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية، بدأ رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون زيارة رسمية إلى الجزائر اليوم الثلاثاء 29 تموز 2025، وهي الأولى لرئيس لبناني منذ أكثر من عقدين. وتأتي هذه الزيارة في سياق الجهود المتواصلة لتعزيز العلاقات اللبنانية مع الدول العربية، وخصوصاً الجزائر التي لطالما حافظت على موقع متقدم في ذاكرة الدعم العربي للبنان دون ضجيج إعلامي أو مكاسب مشروطة.
الزيارة لا تقتصر على البروتوكول السياسي، بل تندرج ضمن إعادة تفعيل العلاقات الثنائية عبر ملفات اقتصادية، وإنمائية، وإعلامية، وثقافية، ومساعدات استراتيجية، في وقت يمر فيه لبنان بأزمات متشابكة تتطلب انفتاحاً عربياً متضامناً بعيداً عن سياسات المحاور.

فتح باب لتعاون متجدد
زيارة العماد جوزاف عون إلى الجزائر جاءت بدعوة رسمية من الرئيس عبد المجيد تبون، وتكتسب طابعًا تأسيسيًا لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين. بحسب معلومات “النشرة”، فإن الزيارة تهدف إلى:
ــ تجديد عقود الفيول وحل إشكالية ملف “سوناطراك” السابق، عبر تقديم باخرتين نفطيتين كهبة للبنان خلال زيارة الرئيس.
ــ بحث في دعم الجزائر لعملية إعادة الإعمار في لبنان، وتقديم مساعدات مالية وتقنية مباشرة.
ــ تفعيل خط الطيران المباشر بين الجزائر وبيروت.
ــ توقيع اتفاقية دعم للإعلام الرسمي اللبناني، تتضمن تجهيز تلفزيون لبنان بأحدث المعدات.
ــ تمهيد لتوقيع اتفاقيات تجارية واقتصادية في الطاقة والبنية التحتية والتعليم والثقافة.

كل هذه النقاط تُظهر الطابع العملي للزيارة، وتعيد الجزائر إلى الواجهة كشريك فعّال، لا يساوم على الدعم بل يُقدّمه انطلاقاً من مبدأ التضامن العربي والتاريخ المشترك.

من الدعم الصامت إلى الوفاء الدائم
منذ استقلال الجزائر عام 1962، ولبنان حاضراً في وجدان الشعب الجزائري، سواء عبر المثقفين اللبنانيين الذين ساهموا في الحركة الفكرية الجزائرية، أو من خلال الدعم السياسي المبكر للجزائر للقضية اللبنانية في مختلف مراحلها، فخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وقفت الجزائر بوضوح إلى جانب لبنان، سياسيًا وإنسانيًا. وفي عدوان تموز 2006، أرسلت الجزائر مساعدات مالية لإعادة الإعمار، وأدانت العدوان في جميع المحافل الدولية. وبعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، سارعت الجزائر إلى إرسال طائرات مساعدات طبية وغذائية، إضافة إلى فرق إنقاذ.
وشكلت أزمة الكهرباء في 2024، اختبارًا جديدًا للتضامن، حيث أوعز الرئيس تبون بتزويد لبنان بالفيول، رغم التوتر السابق بسبب ملف “سوناطراك”.

ومن اللافت أن الجزائر كانت دائمًا بعيدة عن التدخل في الانقسام السياسي اللبناني، ولم تكن أداة لمحور أو فصيلاً داخل لبنان، ما منحها احترامًا خاصًا على الساحة اللبنانية.

موقف موحد في القضايا العربية
تلتقي الجزائر ولبنان في قضايا أساسية ومبدئية، أبرزها:
ـــــ الرفض الكامل للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، إذ ترفض الجزائر إقامة أي علاقات مع إسرائيل، في انسجام تام مع مواقف العديد من القوى اللبنانية، وخصوصاً حزب الله.
ـــــ دعم القضية الفلسطينية وحق العودة، ورفض مشاريع التوطين، وهو ما يتوافق مع الموقف اللبناني الراسخ تاريخيًا.
ـــــ السيادة الوطنية، فالجزائر تؤمن بأن الحلول في لبنان يجب أن تأتي من الداخل، وترفض التدخلات الأجنبية، ما يجعلها شريكًا مناسبًا في أوقات الأزمات.

ملفات اقتصادية واستثمارية واعدة
رغم ضعف التبادل التجاري تاريخياً بين الجزائر ولبنان، إلا أن المرحلة الراهنة قد تشهد تحوّلًا، خاصة بعد الدعوة إلى تفعيل اللجنة العليا المشتركة اللبنانية الجزائرية وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة، الزراعة، البنية التحتية، الإعلام، التعليم العالي والاهتمام الجزائري الواضح بإنشاء مركز ثقافي جزائري في بيروت، ما يعكس نوايا ثقافية طويلة الأمد.
كما تنشط شركات لبنانية في السوق الجزائرية، وخصوصاً في قطاعات الإنشاءات والطاقة والمصارف، وسط دعوات من الطرفين لتعزيز هذا التعاون عبر دعم القطاع الخاص.

الجزائر في لبنان… الحضور بلا صخب
يُجمع اللبنانيون أن الجزائر لا تساوم في مواقفها، ولا تبحث عن النفوذ مقابل المساعدات. فهي من الدول القليلة التي لا ترتبط بأي أجندة داخلية في الساحة اللبنانية، وقد قدّمت مساعدات بلا شروط، وفي بعض الحالات، حتى من دون أن يُطلب منها وفصلت بين الخلافات التجارية (أزمة الفيول المغشوش) وبين مقتضيات التضامن الإنساني والوطني.
ويؤكد ذلك المواقف الصادرة عن الخارجية اللبنانية والت تشير بوضوح إلى وقوف الجزائر الى جانب لبنان دائمًا في وجه الاعتداءات الإسرائيلية داخل مجلس الأمن.

التحرك الثقافي والأكاديمي
شهدت العلاقات الثقافية والأكاديمية مؤخرًا دفعة قوية من خلال لقاءات رسمية داخل السفارة الجزائرية في بيروت مع وفود جامعية واقتصادية و مبادرات لتوسيع التبادل الطلابي والبحثي بين الجامعات اللبنانية والجزائرية.
وتم الكشف عن نية الجزائر إنشاء مركز ثقافي في قلب بيروت، تعبيرًا عن تقديرها للدور الثقافي اللبناني العالمي.

تحديات يجب تجاوزها
ورغم هذا الزخم الإيجابي، لا تخلو العلاقات من تحديات أبرزها:
ــ ضعف التبادل التجاري والبنية التحتية للنقل، خصوصًا غياب خطوط مباشرة ومنتظمة للطيران والتجارة.
ــ القيود البيروقراطية التي تعيق تفعيل الاتفاقيات الثنائية.
ــ التركيز الجزائري على أولويات إقليمية أخرى قد يؤخر بعض المبادرات تجاه لبنان.
إلا أن الزيارة الرئاسية الحالية تُعد بداية عملية لتجاوز هذه العقبات، ووضع خارطة طريق للعلاقة الثنائية.
وفي زمن تُختطف فيه بعض العلاقات العربية تحت وطأة الحسابات السياسية أو الاقتصادية، تبقى العلاقة اللبنانية – الجزائرية واحدة من النماذج النادرة التي تستند إلى تاريخ مشترك، وتضامن غير مشروط، ومواقف مبدئية ثابتة. فزيارة الرئيس جوزاف عون إلى الجزائر ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل ترجمة حقيقية لعودة الدور العربي إلى لبنان من الباب النظيف والصادق.
إنها دعوة لإعادة الاعتبار إلى الدبلوماسية الهادئة والفاعلة، ولتفعيل التعاون الثنائي بعيدًا عن الابتزاز أو المصالح الضيقة. وفي زمن الأزمات، تكشف الجزائر مجددًا عن معدنها، فتضيء شمعة في ليل لبنان، وتقول له: لست وحدك.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

من بقرة بني إسرائيل إلى مفاوضات لبنان: حين يصبح الشرط مدخلاً لشرط جديد

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ثمة قصص دينية لا تبقى حبيسة زمنها، بل تتحول...

اسم غامض في رواية نعيم قاسم السياسية: هل قال موشي يائير ما نُسب إليه؟

أخباركم - أخبارنا/ فاطمة حوحو في زمن انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وموقع صحافتها المشكك بها، يمكن...

ممل الشيخ نعيم!

أخباركم - أخبارنا/ حنا صالح التكرار والإنكار والغربة عن الواقع سمات خطبه المملة. سلفه...

ماركس وباكونين: الصراع الذي شقّ الثورة إلى طريقين!

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد من الأممية الأولى إلى مؤتمر لاهاي: من كان أقرب...

More like this

اسم غامض في رواية نعيم قاسم السياسية: هل قال موشي يائير ما نُسب إليه؟

أخباركم - أخبارنا/ فاطمة حوحو في زمن انتشار وسائل التواصل الإجتماعي وموقع صحافتها المشكك بها، يمكن...

اليسار الفلسطيني أمام مرآة الحقيقة: أزمة المشروع أم أزمة الاستقلال السياسي؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد ردّ على مقالة «اليسار الفلسطيني أمام لحظة الحقيقة.. من...

الحجّاج والسفّاح: هل يعيد التاريخ إنتاج وجهي السلطة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد يصعب فهم الحجّاج بن يوسف الثقفي وأبي العباس السفّاح...