أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد
لم يكن المشهد في الوتوات مجرد لقاء بروتوكولي بين حزب الله والحزب الشيوعي. كان أشبه بصورة قديمة أُفرغت من معناها الثوري، وجلس على أطرافها من كان يومًا في قلب جبهة مقاومة وطنية، ليصافح من أطلق النار على رفاقه وقتل مفكريه، ويخرج ليقول “سنواجههم” بلا أن يحدد من هم هؤلاء ولا بأي مقاومة سيواجه.
بين التاريخ والحاضر: مقاومة الشعب أم مقاومة الاستعراض؟
يا أستاذ حنا، حين أطلق الحزب الشيوعي عام 1982 جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، كان الهدف واضحًا: مقاومة شعبية من كل الوطن ولكل الوطن، بلا حسابات طائفية ولا أجندات خارجية. تلك كانت مقاومة بين الناس، عاش مقاتلوها بينهم، وكانت ضرباتهم موجعة للاحتلال الإسرائيلي، لا استعراضات عسكرية مدروسة يسهل اصطياد عناصرها كما يحصل اليوم.
لكن المشهد تغيّر. نحن اليوم في قلب معادلة قذرة:
- خصم سياسي مهزوم يتصرف وكأنه صاحب القرار – حزب الله – الذي قدّم تنازلين كبيرين (اتفاق كاريش، واتفاق وقف النار).
- عدو لئيم توسعي – إسرائيل – قد يجد مصلحة في عقد تفاهم مع الحزب، يحوّله ومعه جزء من الطائفة الشيعية إلى حارس لحدودها الجنوبية، مقابل فتات إنجاز سياسي في الداخل، أو قبل ذلك حرب طاحنة تنهي ما تبقى من مقومات الدولة.
- عدو خبيث آخر – إيران – يفاوض على حسابنا، ويستخدم البعض كأدوات في مفاوضاته.
أما المعارضة الوطنية الحقيقية، فقد غابت، وسقطت كرامة الوطن تحت أقدام الصفقات، ومعها غاب الحزب الشيوعي الثوري الذي كان رأس حربة في مواجهة الاحتلال، وتحول إلى متفرج أو شريك صامت في لعبة توازنات ملوثة.
كنا ننتظر من الحزب الشيوعي أن يكون في قلب معارضة حقيقية تسعى لإعادة الحياة لشعار “خبز وعلم وحرية”، لكن أين حزب اليوم من حزب الأمس الذي كان جزءًا من حركة سياسية واسعة تمتد من لبنان نحو الإقليم ونحو العالم، وترتبط بنضالات الشعوب من فلسطين إلى أميركا اللاتينية، ومن فيتنام إلى جنوب إفريقيا؟
التاريخ الذي لا يُسأل عنه
وهنا السؤال: هل خطر ببالك، يا أستاذ حنا، أن تسأل قماطي عن سبب عودة حزب الله لطلب دعم الحزب الشيوعي باسم “مقاومة جامعة”، بعدما أطلق النار على ظهور مقاوميه وهم في طريقهم لقتال العدو؟ هل سألته عن قتلهم لمفكري الحزب: مهدي عامل، حسين مروة، خليل نعوس، سهيل طويلة، وغيرهم من كوادره؟ وهل سألت عن اغتيال جورج حاوي، قائد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية؟
الجواب معروف: جبهة المقاومة الوطنية كانت مقاومة للوطن، بينما “المقاومة الإسلامية” الفئوية كانت – وما زالت – مقاومة لإيران، تعمل وفق أجندتها الإقليمية. خطان متوازيان لا يلتقيان.
الجوهر الغائب: العامل الوطني
أزمة لبنان اليوم ليست فقط في موازين القوى، بل في غياب العامل الوطني كجوهر لأي مشروع تحرري. البرجوازية السياسية – سواء الطائفية أو “الثورية” الشكلية – مرتهنة بالكامل لقوى الاستعمار. الولايات المتحدة تمسك بالخيوط لتجميل المشروع الإسرائيلي، وتفرض على البلد سياسة إدارة التبعية كأمر واقع.
كما علّمنا مهدي عامل، الطائفية ليست بقايا ماضٍ، بل أداة سلطة برجوازية تابعة لإعادة إنتاج الانقسام وضمان الهيمنة. وكما بيّن سمير أمين، التحرر الوطني لا يُنتزع بالشعارات، بل بفكّ الارتباط مع المركز الإمبريالي، وضبط الفائض الوطني لصالح التنمية المستقلة، وتحالف اجتماعي يضع أدوات الإنتاج والسيادة بيد الشعب.
لينين رأى التحرر القومي جزءًا من الثورة العالمية، وتروتسكي أكد أن البرجوازية الوطنية المقيّدة بروابط السوق الإمبريالي عاجزة عن قيادة هذا التحرر، وأن الطبقة العاملة وحلفاءها وحدهم قادرون على تحويل النضال من مقاومة الاحتلال إلى ثورة اجتماعية.
الحقيقة العارية هي أن لا خلاص للبنان إلا بتحرير قراره الوطني من هيمنة الخارج، وتفكيك الطائفية كأداة سلطة، وبناء حركة يسارية ثورية تحمل مشروع التحرر الوطني والاجتماعي معًا. يومها فقط يمكن أن يعود السلاح إلى يد الشعب دفاعًا عن الأرض، لا كورقة تفاوض بيد وكلاء الخارج.
أما الاكتفاء بلقاءات المجاملة مع قوى سطت على تضحيات المقاومين وقتلت رموزهم الفكرية والسياسية، فهو إهانة لذاكرة المقاومة الوطنية ولدماء شهدائها.
يا أستاذ حنا، في السياسة كما في الحياة، لا يكفي أن تلتقط صورة مع من يملك البندقية، بل أن تحدد أين ستوجَّه فوهتها… وإلا صرت مجرد ديكور في ألبوم الانتصارات الوهمية.



