أخباركم – أخبارنا/ كتب مسعود محمد
منذ تأسيسه في 16 آب 1946، شكّل الحزب الديمقراطي الكوردستاني ركيزة سياسية أساسية في قيادة المجتمع الكردي، ليس في العراق فقط، بل في مختلف أقسام كردستان الأربعة (العراق، إيران, تركيا، سوريا). فقد ارتبط اسمه بالنضال الكردي على مستوى المنطقة، حيث التحق مؤسس الحزب الملا مصطفى بارزاني بثورة مهاباد (1946) وقاد جيشها إلى جانب القاضي محمد في أول تجربة لدولة كردية حديثة، قبل سقوط الجمهورية التي مثّلت حلمًا كرديًا جامعًا.

الجذور والتأسيس
تأسس الحزب بدايةً باسم الحزب الديمقراطي الكردي في بغداد عام 1946، قبل أن يُغيَّر اسمه في المؤتمر الثالث بكركوك عام 1953 إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني. قاد الحزب مصطفى بارزاني في المراحل الأولى، مرتكزًا على كفاح مسلح وفكري غايته الدفاع عن الهوية الكردية وإرساء مشروع وطني جامع.
من مصطفى إلى أبنائه: انتقال القيادة
بعد رحيل مصطفى بارزاني عام 1979، تسلّم ابناه مسعود وإدريس قيادة الحزب معًا، في صيغة قيادة مشتركة:

- مسعود بارزاني (مواليد 1946): سياسي بارز تولّى رئاسة الحزب الديمقراطي الكوردستاني رسميًا بعد وفاة والده، وقاد الحركة الكردية في مرحلة صعبة اتسمت بالصراع الداخلي والحروب مع بغداد. انتُخب لاحقًا رئيسًا لإقليم كردستان العراق (2005–2017)، وكان أحد مهندسي الفيدرالية الكردية في العراق بعد 2003، حيث عزّز مؤسسات الإقليم وسعى لتقوية العلاقات مع القوى الدولية.

- إدريس بارزاني (1944–1987): عُرف بدوره في توحيد البيت الكردي سياسيًا، إذ كان مسؤولًا عن الاتصالات الخارجية والعلاقات الدبلوماسية للحزب. لعب دورًا محوريًا في التواصل مع القوى الإقليمية والدولية خلال حرب الثمانينيات، كما كان له دور في دعم المعارضة العراقية ضد نظام صدام حسين.

إدريس بارزاني… العقلُ السياسيّ الذي رحل وبقي رمزًا استثنائيًا
إلى جانب حضوره التنظيمي، عُرف إدريس بارزاني بوصفه العقل السياسي والمفكّر داخل الحزب؛ مهندسَ العلاقات الخارجية وواجهته الدبلوماسية في الثمانينيات، سعى لتجسير الفجوات الكردية–الكردية وبناء قنوات مع قوى إقليمية ودولية. رحل إدريس على نحوٍ مفاجئٍ في 31 كانون الثاني/يناير 1987 إثر سكتة قلبية خلال نشاطٍ سياسي في غرب إيران قرب أرومية/أشنوية، ودُفن هناك قبل أن تُنقل رفاته لاحقًا إلى بارزان عام 1993؛ لتبقى سيرته رمزًا استثنائيًا للقضية وحضوره الفكري والسياسي مرجعيةً داخل الحزب وخارجه.
بزعامة مسعود بارزاني: القضية الكردية تتسع آفاقًا
في عهد مسعود بارزاني، اتسع نطاق الاهتمام بالقضية الكردية ليشمل أكراد المنطقة كافة. فقد ناصر سياسيًا أكراد تركيا في نضالهم من أجل الحقوق الثقافية والسياسية، ووقف إلى جانب أكراد إيران وحمى العديد من قياداتهم داخل إقليم كردستان العراق. كما كان سندًا متينًا لـ أكراد سوريا في محنتهم، فوقف معهم “وقفة جبل أشم” حين حاولت القوى الإقليمية عزلهم.

ورغم كل التحديات، لم يتراجع بارزاني عن الحلم الكردي، فقاد في 25 أيلول/سبتمبر 2017 الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق. يومها قال العالم كله “لا”، لكن بارزاني وقف بوجه الريح، فيما قالت كردستان “نعم”، بنسبة تقارب 92.7% من المصوّتين لصالح الاستقلال.

من الثورة إلى الفيدرالية
انتقل الحزب عبر مسيرته من النضال المسلح إلى ترسيخ مشروع سياسي مؤسساتي. بعد حرب الخليج الثانية (1991) وسقوط بغداد عام 2003، كان الحزب في طليعة القوى التي بلورت وضع إقليم كردستان العراق ككيان فيدرالي دستوري معترف به، وهو ما اعتُبر تتويجًا لنضالات وتضحيات أجيال.
الجيل الثالث: نيجيرفان ومسرور بارزاني
في الجيل الثالث، برز نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان الحالي، كسياسي محنّك استطاع أن يجمع التناقضات من الشرق والغرب لصالح القضية الكردية، فكان خير خلف لخير سلف، والده إدريس بارزاني. عُرف نيجيرفان بقدراته الدبلوماسية الواسعة، فصار صديقًا لعدد من كبار القادة الدوليين مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من زعماء العالم، مؤكدًا مكانة الإقليم على الساحة الدولية.

وفي المقابل، يقف مسرور بارزاني، رئيس حكومة الإقليم ونجل مسعود بارزاني، سدًا منيعًا في وجه المؤامرات والتحديات التي تحاول استهداف استقرار الإقليم ومكتسباته. فبقي الاثنان، نيجيرفان ومسرور، امتدادًا طبيعيًا لتاريخ عائلة البارزاني ودورها في قيادة الحزب والشعب الكردي.

الإرث والتضحيات
لم “يهرم” الحزب بعد 79 عامًا، بل ظل في موقع القيادة وصون الهوية الكردية. ساهمت تضحيات قياداته—من مصطفى بارزاني إلى أبنائه مسعود وإدريس، وصولًا إلى نيجيرفان ومسرور—في رفع القضية الكردية من مجرد مطالب محلية إلى مشروع سياسي له حضور إقليمي ودولي.

في ذكراه التاسعة والسبعين، يبقى الحزب الديمقراطي الكوردستاني عنوانًا لصمود الأكراد وإصرارهم على البقاء قوة سياسية وكيانًا يسعى لبناء مستقبل آمن لشعبه، بين حلم الدولة الكردية الكاملة وواقع الفيدرالية داخل العراق.




