أخباركم – أخبارنا/ تقرير لبنان السياسي
في لحظة سياسية دقيقة يترنّح فيها لبنان بين فرصة تاريخية لاستعادة سيادته الكاملة وبين خطر الانزلاق مجددًا إلى دوامة الفوضى، يصرّ حزب الله وحلفاؤه على جرّ البلاد إلى خطاب التهديد والتحدي، وكأنهم أوصياء على حاضر اللبنانيين ومستقبلهم. فبينما تكثّف الحكومة اتصالاتها مع الموفدين الأميركيين وتلتقط إشارات إيجابية من تل أبيب حول خطوات متبادلة قد تنهي عقودًا من الاحتلال والانتهاكات، يطلّ نعيم قاسم بخطاب يكرّس منطق القوة على حساب الدولة، ملوّحًا بأن نزع السلاح “نزع للروح” ومهدّدًا اللبنانيين بـ“بأس” حزبه إن هم تمسكوا بحقهم في دولة تحتكر السلاح والقرار.
هذا التناقض الفاضح يكشف حجم المأزق الذي يعيشه لبنان: حكومة تحاول استعادة الثقة العربية والدولية، وتستعد لعرض خطة لحصر السلاح بيد الجيش، مقابل حزب يربط مصير الوطن بخياراته الإقليمية وارتباطاته الخارجية. والأخطر أنّ ما قاله “الحرس الثوري الإيراني” الذي اعتبر الخطة “مؤامرة أميركية – إسرائيلية” يعيد التأكيد على أنّ القرار اللبناني ما زال مرتهنًا خارج الحدود.
وفي وقت تُسجَّل مؤشرات تهدئة في الشارع بعد تأجيل الوقفة الاحتجاجية التي دعا إليها الثنائي الشيعي، تبدو البلاد أمام اختبار حقيقي: إمّا استكمال مسار تعزيز سلطة الدولة وبسط الجيش لسيادته، وإما العودة إلى مربّع الصدامات الداخلية التي لن تجلب سوى الخراب.
المرحلة الراهنة تتطلّب شجاعة سياسية تعلو فوق الحسابات الفئوية والطائفية. فلبنان الذي يخطو خطوات أولى نحو تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسساته لا يحتمل خطاب التهديد ولا معادلة “السلاح مقابل الدولة”. وحدها دولة قوية بجيشها ومؤسساتها، مدعومة بثقة الداخل والخارج، قادرة على إنقاذ اللبنانيين من عبودية الخوف وإعادة فتح نافذة الأمل نحو مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا.
فقد انطلق أسبوع الاستحقاقات اللبنانية وسط مؤشرات إيجابية أحاطت به. الأجواء المرافقة لحراك الموفدين الأميركيين توم براك ومورغان أورتاغوس التي وصلت إلى بيروت بدت مشجّعة، مدفوعة بموقف إسرائيلي وُصف بالإيجابي، إذ أبدت تل أبيب استعدادها لاتخاذ خطوات متبادلة إذا باشرت القوات الأمنية اللبنانية إجراءات جدّية لنزع سلاح “حزب الله”، بما في ذلك تقليص تدريجي للوجود العسكري الإسرائيلي بالتنسيق مع واشنطن. وفي موازاة هذه الإشارات، عادت جلسة التصويت في مجلس الأمن على التمديد لقوات “اليونيفيل” إلى جدولها المقرّر، في ظل دعم دولي واضح لاستمرار مهمتها وتعزيز انتشار الجيش في الجنوب.
هذا المناخ فتح الباب أمام مشاورات مفصلية يجريها الموفدان الأميركيان مع المسؤولين اللبنانيين، حيث حملا الرد الإسرائيلي على الورقة اللبنانية، في وقت شدّد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي على أن “قرار لبنان حصر السلاح بيد الدولة فرصة لاستعادة السيادة وبناء المؤسسات”، مؤكداً استعداد إسرائيل لدعم الجهود اللبنانية والعمل معاً نحو مستقبل أكثر أماناً. أورتاغوس بدورها أعادت نشر البيان مرفقاً بإشارة شكر، ما عكس أجواء مشجعة حول إمكان إحراز تقدّم في مسار التفاهمات.
لكن هذا المسار اصطدم بخطاب تصعيدي من الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي اعتبر أن من يريد نزع سلاح الحزب “ينزع روحه”، مهدّداً بأنهم “سيرون بأسه”. قاسم رأى أنّ كل مشاكل لبنان سببها الاحتلال الإسرائيلي والدعم الأميركي له، وأن الحل الوحيد هو عبر “استعادة السيادة الوطنية وانسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى”، مجدّداً التأكيد أنّ المقاومة “لم تفقد وظيفتها” وأنها ردّة فعل على العدوان. وأضاف أنّ المقاومة ردعت إسرائيل 17 عاماً وقدمت إنجازات استثنائية، معتبراً أنّ البديل هو “التسليم لإسرائيل”، وأن السلاح باقٍ لأنه صمّام أمان للبنان.
في المقابل، تبنّى الحرس الثوري الإيراني موقفاً مماثلاً، واصفاً خطة نزع السلاح بأنها “مؤامرة أميركية – إسرائيلية”، ومؤكداً أن الحزب والشعب اللبناني لن يقبلا بها.
على خط موازٍ، أظهرت الحكومة اللبنانية تمسّكها بمسار تثبيت سلطة الدولة. وزير الداخلية أحمد الحجار كشف أن الجيش سيعرض خطته لحصر السلاح على طاولة الحكومة في الثاني من أيلول، مشدّداً على أن “من مصلحة اللبنانيين جميعاً حصر السلاح بيد الدولة”، وأن لا أحد يريد الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة. وأوضح أنّ القوى الأمنية ستتعامل بحزم مع أي تعديات على الأملاك العامة، معتبراً أنّ أي تحركات سلمية معترضة تبقى ضمن سقف الحق الديموقراطي.
وفي خطوة لاحتواء التوتر، تراجعت حركة “أمل” و”حزب الله” عن الدعوة إلى تحرّك احتجاجي كان مقرراً في ساحة رياض الصلح اعتراضاً على قرار حصرية السلاح، بعد اتصالات مكثفة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري أفضت إلى تأجيل التحرك “حرصاً على السلم الأهلي ومنعاً لأي صدام في الشارع”، مع تأكيد استمرار تمسكهما بسلاح المقاومة. مصادر مطلعة كشفت أنّ اتصالات سياسية وأمنية حذّرت من تحركات مقابلة قد تفاقم الوضع الميداني.
في المقابل، واصلت الحكومة حراكها الخارجي لتكريس مناخ الثقة الدولية. رئيس مجلس الوزراء نواف سلام استقبل وفداً من الكونغرس الأميركي أشاد بالخطوات التي اتخذتها الحكومة لبسط سلطة الدولة وتنفيذ إصلاحات قضائية ومالية، مؤكداً استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وتعزيز دوره في حفظ الأمن. سلام شدّد بدوره على ضرورة التزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف اعتداءاتها، ما يمهّد لمسار إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. بالتوازي، يُنتظر توقيع قرض جديد مع البنك الدولي مخصص لإعادة الإعمار.
في الداخل، وجّه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع رسالة واضحة مفادها أنّ استعادة الدولة قرارها العسكري والأمني تفتح الباب أمام مكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطنين بالدولة، مشيراً إلى أنّ مرحلة “الدولة الصورية” انتهت، وأنّ أي قرار تتخذه الحكومة اليوم سينفَّذ، بما في ذلك جمع السلاح غير الشرعي وتسليمه إلى الجيش. موقف عزّزه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي شدّد خلال استقباله وفداً أهلياً على ضرورة الخروج من الزواريب الطائفية باتجاه “حزب لبنان”، داعياً إلى خطوات عملية تعزّز الثقة العربية والدولية بالدولة وتكرّس وحدتها.
وفي موازاة هذه التطورات، تستمر الجهود لمعالجة ملفات عالقة داخلياً، أبرزها ملف الموقوفين الإسلاميين الذي أعيد طرحه خلال لقاء مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان مع وفد من “هيئة علماء المسلمين”. الوفد دعا إلى إغلاق الملف والإفراج عن الموقوفين اللبنانيين والسوريين باعتباره خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار وتخفيف التوترات الأمنية في بعض المناطق.
على الصعيد الأممي، يسير مجلس الأمن في اتجاه تمديد ولاية قوات “اليونيفيل” لعام إضافي ضمن صيغة تسوية فرنسية، مع تأكيد نيته العمل على انسحاب تدريجي للقوة الدولية وجعل الحكومة اللبنانية الضامن الوحيد للأمن في الجنوب، بما يكرّس دور الجيش كمرجعية أمنية وحيدة على كامل الأراضي اللبنانية.
بهذه المؤشرات، يبدو لبنان أمام مفترق طرق حاسم: إمّا المضي في مسار تعزيز سلطة الدولة وبناء الثقة الداخلية والخارجية، أو العودة إلى معادلة السلاح فوق الدولة التي أبقته رهينة الصراعات الإقليمية. وبين الأمل بخطوات عملية تعيد السيادة للدولة وتدعم الاستقرار، والخشية من تصعيد الخطاب الذي يلوّح بالمواجهة، يبقى الرهان على إرادة وطنية جامعة تنهي مرحلة الشلل وتفتح الباب أمام عهد جديد من الاستقرار والسيادة الفعلية.



