أخباركم – أخبارنا/ تقرير لبنان السياسي
في مشهد يعكس تداخلاً بين الأمل والقلق، برزت اليوم ثلاثة تطورات أساسية تعكس حجم التحولات التي يشهدها البلد.
الأول تمثل في تجديد مجلس الأمن الدولي ولاية قوات “اليونيفيل” لعام وأربعة أشهر، بعد جهود دبلوماسية مكثفة قادتها الدولة اللبنانية، وسط ترحيب دولي واسع ودعم واضح من فرنسا، التي أكدت استعدادها لمواكبة خطة الحكومة لبسط سلطتها وحصر السلاح بيد الدولة.
التطور الثاني هو استمرار مسار تسليم السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الجيش اللبناني، في خطوة رمزية لكنها تحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، حيث ثمّن رئيس الحكومة نواف سلام هذا التقدم وأعلن تلقيه تأكيدات من الرئيس الفلسطيني محمود عباس حول دفعات إضافية قريباً.
أما التطور الثالث، فيتمثل في تصاعد النقاش الداخلي حول خطة نزع سلاح “حزب الله”، التي وضعتها الحكومة والتي لا تزال تواجه رفضاً من الحزب وتحفظات من قوى محلية، في وقت يشدد فيه سلام على حاجته إلى دعم مالي عاجل، لا يقل عن 14 مليار دولار، لإعادة الإعمار وتمويل الجيش لتمكينه من بسط السيطرة في الجنوب.
وبينما تتوالى الإشادات الدولية بخطوات الحكومة، تتجه الأنظار إلى جلسة مجلس الوزراء المقبلة التي يُنتظر أن تحدد المسار التنفيذي للخطة الأمنية، في موازاة اتساع دائرة النقاش الداخلي حول سبل تحقيق الإصلاحات المالية والقضائية المطلوبة لإعادة الثقة بالدولة، في بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة ويقف على مفترق طرق بين تثبيت دعائم الاستقرار أو الانزلاق مجدداً نحو الفوضى.
فقد أعلن رئيس الحكومة نواف سلام أنّه اتصل برئيس دولة فلسطين، محمود عباس، مثمناً التقدم الذي تم احرازه في اليومين الماضيين بشأن تسليم السلاح الثقيل من المخيمات الفلسطينية، ووضعها في عهدة الجيش اللبناني.
وقال سلام: “الرئيس عباس أكّد لي أنّه سيتم تسليم دفعات أخرى في الأسابيع المقبلة من باقي المخيمات كما سبق وتم الاتفاق عليه”.
أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن نجاح حكومته في خطة نزع سلاح حزب الله وإعادة إعمار ما دمرته الحرب مع إسرائيل يتطلب دعماً مالياً عاجلاً من المجتمعين العربي والدولي، مشيراً إلى حاجة لبنان إلى 14 مليار دولار على الأقل لإعادة الإعمار، إضافة إلى تمويل وتسليح الجيش لتولي مهامه في الجنوب.
سلام، في مقابلة مع فايننشال تايمز، شدد على أن حكومته “زرعت بذور دولة قوية” لكنها تحتاج إلى الوقت والدعم لتنمو، مؤكداً أن الإصلاحات المالية والقضائية تشكل أساس مشروعه، مع توقيف وزراء سابقين وإعادة فتح ملف انفجار مرفأ بيروت.
ورغم تهديدات حزب الله ورفضه الخطة، أشار سلام إلى أن تسليم الفصائل الفلسطينية جزءاً من أسلحتها للجيش مؤشر إيجابي، مؤكداً المضي قدماً بخطته التدرجية لإرساء السيادة والإصلاح، قائلاً: “نحن في الطابق الأرضي ونبني للأعلى”.
وفي اعقاب التجديد لليونيفيل، كتب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عبر منصة “اكس”: تحدثتُ مع رئيس لبنان جوزاف عون، وكذلك مع رئيس مجلس الوزراء، نواف سلام. لقد تمّ تجديد ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل)، التي تشارك فيها فرنسا بشكل فاعل، بالإجماع. إنّها رسالة مهمة، وقد رحبنا بها”.
اضاف في منشوره الذي وزعته السفارة الفرنسية “:”أشَدتُ بالقرارات الشجاعة التي اتخذتها السلطة التنفيذية اللبنانية من أجل استعادة حصر استخدام القوة بيد الدولة. وأشجّع الحكومة اللبنانية على اعتماد الخطة التي ستُعرض على مجلس الوزراء لهذا الغرض. سيتوجّه مبعوثي الشخصي، جان-إيف لو دريان، إلى لبنان للعمل يداً بيد مع السلطات على أولوياتنا فور اعتماد هذه الخطة”.واكد ان” الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان ووضع حد لجميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية يُشكّلان شرطين أساسيين لتنفيذ هذه الخطة.
وقد أكّدت فرنسا دائماً استعدادها للاضطلاع بدور في تسليم النقاط التي ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي”، مشددا على وجوب” أن يكون أمن لبنان وسيادته في أيدي السلطات اللبنانية وحدها”. وتابع:” جدّدتُ للرئيس ورئيس الوزراء تأكيد عزمنا على تنظيم مؤتمرين بحلول نهاية هذا العام: الأول لدعم القوات المسلحة اللبنانية، الركيزة الأساسية لسيادة البلاد، والثاني من أجل نهوض لبنان وإعادة إعماره”.وختم مؤكدا :” أمنٌ مُستعاد، سيادةٌ مُعزَّزة، وازدهارٌ مستدام: هذا هو المستقبل الذي نريده للبنان، على صورة قوة أرزه الراسخة ابداً”.
في المقابل، أعربت وزارة الخارجية والمغتربين في بيان عن “تقدير لبنان وامتنانه الكبيرين لأعضاء مجلس الأمن الدولي على تصويتهم لمصلحة التمديد للقوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل) لعام آخر، كنتيجة للجهود الديبلوماسية الحثيثة التي بذلتها الوزارة بالتنسيق مع رئاستي الجمهورية والحكومة للحفاظ على مهام ال يونيفيل في هذا الظرف الحساس والدقيق الذي يمر به لبنان في ظل الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة عليه”.وخصت الوزارة بالشكر كل الدول الصديقة والشقيقة التي دعمت قرار التمديد وسعت جاهدة لتأمين الإجماع عليه، لا سيما فرنسا حاملة القلم، والولايات المتحدة الاميركية على تفهمهما للوضع اللبناني ولاهمية دور اليونيفيل في إعادة تثبيت الاستقرار في الجنوب. وأكدت ان “تجديد التفويض الممنوح لليونيفيل والإبقاء على وجودها في جنوب لبنان خطوة مهمة تترافق مع الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة اللبنانية حالياً لبسط سيادتها وسيطرتها وحصر السلاح بيدها في جنوب لبنان وعلى كامل الأراضي اللبنانية.”كما أكدت “التزام لبنان بالعمل والتعاون بشكل وثيق مع القوات الدولية لتعزيز انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وحصر السلاح بيده، وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701”.
وأكدت الخارجية “تمسك لبنان وحرصه على امن وسلامة قوات اليونيفيل والعاملين فيها وتقديره لتضحيات افرادها للحفاظ على السلم والامن الاقليميين وامتنان لبنان لكافة الدول التي شاركت في مهامها منذ إنشائها عام ١٩٧٨ ولتاريخه.”
لبنان على موعد مع استحقاق مصيري: خطة الجيش لحصر السلاح أمام مجلس الوزراء في أيلول
تتجه الأنظار في الداخل والخارج إلى جلسة مجلس الوزراء المرتقبة في 5 أيلول في القصر الجمهوري، حيث سيُعرض للمرة الأولى مشروع الخطة التطبيقية التي أُوكل إلى الجيش إعدادها لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. هذا الاستحقاق، الذي يأتي بعد قرار مجلس الوزراء في 5 آب، يمثل محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، إذ يضع المؤسسة العسكرية في قلب معركة استعادة السيادة وتكريس مبدأ “لا سلاح إلا سلاح الدولة”.
وبينما تراهن الحكومة ورئيسها نواف سلام على إطلاق مسار دستوري وعملي ينهي عقوداً من ازدواجية السلاح، يواجه القرار رفضاً قاطعاً من “حزب الله”، الذي اعتبره أمينه العام نعيم قاسم قراراً “غير ميثاقي” فُرض تحت ضغط إسرائيلي ـ أميركي. في المقابل، ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أنّ الخطوة تفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، وقد تصل إلى تخفيف وجود إسرائيل العسكري في الجنوب إذا أثبتت بيروت جدية في التنفيذ.
بهذا، يدخل لبنان مرحلة حساسة، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية، ويُطرح السؤال الأكبر: هل ينجح الجيش اللبناني في رسم خريطة طريق تُنهي معادلة السلاح المزدوج وتعيد للدولة قرارها الحر؟
من جهة ثانية، أكد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط أن الطروحات الأميركية بشأن نزع سلاح حزب الله تمثل “إملاءً إسرائيلياً” لا يمكن للبنان القبول به، مشدداً على أن الحل يكمن في الحوار مع الحزب وإقناعه بخيارات تحفظ كرامة اللبنانيين وتحقق تحرير الأراضي المحتلة، معتبراً أن أي مواجهة عسكرية لن تؤدي إلى نتيجة.
ودعا جنبلاط إلى تعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن ودعم رواتب العسكريين وتجهيزاتهم، مع تنسيق لبناني–سوري لضبط الحدود ومكافحة التهريب وتفكيك مصانع الكبتاغون. كما شدد على ضرورة التزام توصيات صندوق النقد لمعالجة الأزمة المالية، داعياً واشنطن إلى الضغط على معارضي الإصلاحات في القطاع المصرفي.
وفي الشأن السوري، جدد جنبلاط رفضه أي دعوات لإنشاء منطقة درزية منفصلة في السويداء، مطالباً بـ تحقيق دولي–سوري في الانتهاكات الأخيرة وفتح الطرق مع دمشق، تمهيداً لمصالحة وطنية تشمل معالجة ملفات المعتقلين والمفقودين ومشاركة الدروز في مؤسسات الدولة.
ورأى جنبلاط أن تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع حول استقلالية القرار السوري عن إيران تمثل فرصة تاريخية للبنان يجب استثمارها لإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين بما يخدم الاستقرار والمصلحة المشتركة.
قضائيا، ترأس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قبل ظهر اليوم في قصر بعبدا، اجتماعا حضره وزير العدل عادل نصار، ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، والمدعي العام التمييزي القاضي جمال الحجار ورئيس مجلس شورى الدولة القاضي يوسف الجميل ورئيس ديوان المحاسبة القاضي محمد بدران. كما حضر الاجتماع المدير العام لرئاسة الجمهورية أنطوان شقير والمدير العام رئيس فرع الشؤون الدستورية والقانونية القاضي يحيا كركتلي ومستشار الشؤون الدستورية والقانون الدولي أنطوان صفير. وخصص الاجتماع للبحث في أوضاع المؤسسات القضائية مع اقتراب بدء السنة القضائية في منتصف شهر أيلول المقبل، إضافة الى مواضيع تعنى بالإصلاحات القضائية.



