أخباركم – أخبارنا
بقلم: مسعود محمد
منذ أن أبعدونا عن بيروت، ونحن نحملها في أرواحنا كوصية. بيروت لم تكن مجرد مدينة، كانت حلمنا الكبير: بلد الحرية، والديمقراطية، والكرامة الإنسانية. كان شعارنا واضحاً: حكم وطني ديمقراطي، صوت الشعب لا صوت الطغاة.
لكنهم لم يحتملوا الكلمة. أرادوا أن يكتموا أصواتنا، فشرّدوا بعضنا، وحاولوا تشويه صورتنا، وقتلوا بعضنا الآخر. ومع كل دمٍ أُريق، تحوّل الشهداء إلى كابوسٍ يطاردهم، وإلى نارٍ تضيء طريقنا.
قال محمود درويش: الوطن يسكننا أكثر مما نسكنه. وها نحن نسكن لبنان في كل منفى، نراه في وجوه الشهداء، ونسمعه في حروفنا التي لم تُكسر.
وقال مظفر النواب: الطغاة عابرون ولو بعد حين. نعم، عابرون… أما دماؤنا فباقية، وكلماتنا باقية، وأحلامنا بالحرية والديمقراطية باقية.
وعندما أُغمض عيني، أحلم:
- بـــ مهدي عامل، ذاك الأستاذ الجامعي اللامع الذي جعل من فكره سلاحاً، فواجههم بالكلمة حتى لحظة اغتياله.
- وبـــ حسين مروة، المفكر الذي غاص في النزعات والفلسفات، وكشف مشروعهم، فخافوا من عقله أكثر من خوفهم من أي بندقية.
- وبـــ سهيل طويلة، الصحفي الألمعي الذي رسم في مقالاته وطناً فيه خبز وعلم وحرية، فاغتالوه لأن قلمه كان أصدق من سيوفهم.
- وبـــ جورج حاوي “أبو أنيس”، الحاضر في الوجدان والضمير، ذاك القلب الكبير الذي اتسع بقدر الوطن. كنت أناقشه وأختلف معه بمحبة، لأنه كان يرى في الحوار طريقاً، وفي الحرية حياةً، عمل لوطنه ولم يخنه، لكنهم خانوه خيانة يوضاس، وقتلوه، فصار دمه شاهداً على أن الكلمة أنقى من رصاصهم.
- وأحلم أيضاً بذاك القاتل الجبان، الذي وجّه مسدسه نحوهم، ليقتل جسداً لكنه لم يستطع أن يقتل الفكرة.
إنه زمن الكلمة…
سقط السلاح الذي أراد أن يخنقها،
سقط الرصاص الذي حاول أن يخرسها،
وعاشت الكلمة، لأنها وعد الشهداء، ولأنها البذرة التي ستنبت حرية.
سنعود يا بيروت…
ولو حفاة، ولو مشياً على الحصى.
سنعود لنجعل من دماء الشهداء جسراً نحو فجر جديد،
ونكتب على جدرانكِ بدمنا وصوتنا:
- هنا وطن لا يُباع.
- هنا شعب لا يُقهر.
- هنا بيروت… وهنا لبنان.



