أخباركم – اخبارنا/ عايدة الأحمدية
تشهد الساحة الفلسطينية-الإسرائيلية فصلًا جديدًا من الحرب المستمرة على قطاع غزة، إلا أنّ هذه الجولة تختلف جذريًا عن سابقاتها. فمعركة اليوم لا تدور فقط في شوارع غزة وأنفاقها، بل أيضًا في داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث بدأت تتكشف مؤشرات إنهاك عميق وتصدّع داخلي يهددان قدرة الجيش على مواصلة العمليات بالوتيرة نفسها.
تمرد جنود الاحتياط
في تطور لافت، أعلنت قناة كان العبرية أنّ مئات من جنود الاحتياط الإسرائيليين عقدوا مؤتمرًا صحفيًا أعلنوا فيه رفضهم الامتثال لأوامر التجنيد التي تقضي بالمشاركة في عملية عسكرية تهدف إلى احتلال مدينة غزة.
الجنود برّروا موقفهم بخطر تعريض حياة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين في القطاع، معتبرين أنّ القيادة العسكرية تتخذ قرارات متهورة “تتجاهل الواقع الميداني وتعجز عن تحقيق الحسم”.
هذا الموقف يعكس تآكل الثقة بين القيادة السياسية والعسكرية من جهة، وبين الجنود وضباط الصف من جهة أخرى، وهو مؤشر على شرخ داخلي قد يتفاقم إذا استمرت الحرب بالوتيرة الحالية. كم ان هذا التمرد يضرب أساس العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي التي طالما افتخرت بالانضباط والطاعة المطلقة للأوامر، ويكشف حجم التآكل النفسي والمعنوي الذي أصاب قواته بعد عامين متواصلين من القتال.
ارهاق نفسي وجسدي
صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية أجرت مقابلات مع أكثر من 30 ضابطًا وجنديًا إسرائيليًا، وجاءت الخلاصة صادمة:
“وصلنا إلى نقطة الانهيار… الجنود منهكون بعد نحو عامين متواصلين من القتال.”
يؤكد الضباط أنّ الإرهاق النفسي والجسدي بلغ مستويات قياسية، وأنّ حالة الضغط المستمر جعلت العديد منهم يتساءلون عن جدوى الحرب ذاتها، بل إنّ أصواتًا داخل المؤسسة العسكرية باتت تصرّح علنًا بأنّ القضاء على حماس غير ممكن نظرًا لاعتمادها أسلوب حرب العصابات وتكتيكات الكرّ والفرّ داخل شبكة الأنفاق.
رغم التفوق العسكري الإسرائيلي الهائل على صعيد التكنولوجيا والعتاد، إلا أنّ حرب المدن داخل غزة فرضت معادلات جديدة. فالمقاومة الفلسطينية، تعتمد استراتيجية تآكل الخصم عبر استنزاف قواته ماديًا وبشريًا ونفسيًا، وهو ما انعكس في ارتفاع أعداد القتلى والجرحى من الجنود، فضلًا عن صعوبة السيطرة على الأرض.
هذا الفشل في تحقيق أهداف الحسم يضاعف الضغوط على القيادة الإسرائيلية، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي من استمرار الحرب دون أفق سياسي، ومع تزايد الخسائر الاقتصادية والعسكرية والبشرية.
وتواجه حكومة بنيامين نتنياهو عاصفة من الانتقادات الداخلية، حيث تتهمها قوى سياسية معارضة بأنها تدير حربًا عبثية دون استراتيجية خروج واضحة.
وفي المقابل، يتخوف اليمين الإسرائيلي من أنّ أي انسحاب غير محسوب سيُنظر إليه كـ”هزيمة استراتيجية” أمام حماس، ما يعمّق الانقسام المجتمعي ويزيد من أزمة الثقة بين الشارع الإسرائيلي ومؤسساته الأمنية.
وفي ظل غياب حل سياسي جذري، يبدو أنّ إسرائيل تقف أمام خيارين أحلاهما مرّ:
الاستمرار في حرب استنزاف تُفقدها مزيدًا من الجنود وتزيد الشرخ الداخلي.أو القبول بتسوية سياسية تعني عمليًا اعترافًا ضمنيًا بفشل تحقيق أهدافها.



