أخباركم – أخبارنا
كتب كاسترو فقيه
طالما نحن في حضرة أيلول،
شهر انتصرت فيه العين على المخرز،
والمثل الذي صار شعارًا للمقاومة بعد انتصارها.
مثلٌ ربما لا يعرف قصته الكثير، وبالأخص الجيل الجديد…
كان حينها موقف من كان أكثر وطنية من كثيرين،
إذ اعتبروا إعلاننا المقاومة مغامرة لن نستطيع الاستمرار فيها،
ناهيك عن جيوش المتخاذلين والعملاء الذين كانوا يلاحقوننا،
في ظروف يعرفها الجميع، وكانت قد أدّت حينها إلى اتفاق 17 أيار.
كنت قد كتبت الكثير عن تلك المرحلة بالتفصيل،
ولا أريد تكرار ما كتبته في سلسلة
من الذاكرة الجميلة من الزمن الجميل.
لكنني مؤمن بأن هذه الكتابات يجب أن توثَّق في مجلدات،
وتخرج من الأرشيف إلى الضوء،
لتكشف الحكايات والأسرار،
وتمنع تزوير الحقائق وتشويه التاريخ…
ليس فقط عند كل أيلول.
ما أريد قوله الآن، هو تذكير بهذه الحقبة التاريخية،
إنعاش للذاكرة، ومنعًا للتضليل،
فهناك آلاف الصور من هذه المرحلة التي أنشر بعضها،
ولا يتّسع المجال لنشرها كلها،
رغم كل محاولات تبييض تاريخ البعض.
صور موثقة، ومن كل المِلَل والطوائف والمذاهب.
أكتب هذا الآن ليس لنكأ الجراح، بل تحذيرًا وتذكيرًا،
طالما أنني أعتقد أنّ التاريخ ربما يعيد نفسه اليوم.
في عام 1982، لم تكن الصورة كما يصوّرها البعض.
كنّا حينها، كما الآن، منقسمين حتى حدّ العمالة.
ثُلّة قليلة قاتلت، وكانت تخبّئ السلاح خلال القتال.
وكتبت بالتفصيل عن هذه المهمة وعن مازن عبود.
لكن الأكثرية رفعت الرايات البيضاء في كل المناطق،
ورشت الورد والرز على جحافل العدو،
بل وأكثر من ذلك:
الكثيرون تطوّعوا ليكونوا أدلاء للعدو منذ اللحظة الأولى.
في زمن عُرف بزمن “المقنّعين” الذين رافقوا دوريات الاحتلال.
لا أريد الغوص أكثر، بانتظار حلمي الذي يراودني،
أن أكتب كتابًا يعلن الحقائق ويكشف هذا التاريخ.
وبالختام أقول:
انتصرت المقاومة فقط بفضل تلك الثلّة القليلة،
التي تنكّر لها حتى بعض أهلنا وأقرب الناس إلينا.
ولنا رأي آخر، مخالف لما قيل ويقال حتى بعد الانتصار.
وحده الكتاب الذي أحلم به يحفظ هذا التاريخ من التشويه.
ما كتبته هنا باختصار هو تحية لتلك الثلة القليلة،
التي قاتلت باللحم الحي قبل أن تكبر كرة الثلج،
تحية لتلك الكوكبة من الشهداء على درب المقاومة،
وتحية لكل من قاتل وجرح واعتُقل وعاد بعد اعتقاله للقتال،
وتحية للمئات من المجهولين الذين صنعوا بصمت هذا التاريخ،
وتحية لوجوهنا السرية التي لا يكشفها إلا الموت.



