أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا (1)
تستمر التحضيرات لانتخابات مجلس الشعب في سوريا التي تسعى السلطات إلى إنجاحها باعتبارها محطة دستورية مفصلية، وصولاً إلى التحركات الأميركية تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في ضوء التحولات الإقليمية والدولية، مروراً بتصعيد الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، والانتهاكات التركية المستمرة على الحدود الشمالية، والانفلات الأمني في الداخل، وصولاً إلى قضايا الفساد والعدالة الاجتماعية. وفي خضم هذه التطورات، تحاول دمشق إبراز وجه مختلف عبر “معرض دمشق الدولي” الذي يسجّل حضوراً جماهيرياً كبيراً.
التحضيرات لانتخابات مجلس الشعب:
لجان فرعية وصيغة جديدة للمجلس
تولي اللجنة العليا للانتخابات أهمية كبرى لتشكيل اللجان الفرعية في مختلف المحافظات، باعتبارها الركيزة الأساسية لتنظيم العملية الانتخابية المقبلة. المتحدث باسم اللجنة، نوار نجمة، أوضح أن هذه اللجان تمثل “الضمانة الأولى لشفافية الانتخابات ونزاهتها”، مشدداً على أن عضويتها ستعكس التنوع السياسي والاجتماعي، مع إعطاء مساحة أكبر لتمثيل المرأة والنخب المجتمعية.
وأعلن نجمة أن أعضاء اللجان سيباشرون عملهم الأسبوع المقبل بعد تلقيهم تدريباً متخصصاً، بحيث يتولون الإشراف على تشكيل الهيئات الناخبة وتنظيم عمليات الاقتراع وفرز الأصوات. وفي خطوة لافتة، كشف عن دراسة لتغيير تسمية “مجلس الشعب” إلى “المجلس النيابي” أو “مجلس النواب”، استجابة لمطالب شعبية تتعلق بإعادة تعريف طبيعة المؤسسة التشريعية ودورها.
في محافظة دير الزور، جرى أداء اليمين القانونية لأعضاء اللجان الفرعية بحضور المحافظ ومسؤولي الأجهزة التنفيذية، حيث ستُجرى الانتخابات في ثلاث دوائر انتخابية تشمل المدينة والميادين والبوكمال، في وقت تراهن فيه السلطات على المشاركة الواسعة لتعزيز شرعية العملية السياسية.
قسد في قلب التجاذبات الأميركية – السورية
في موازاة التحضير للانتخابات، تظل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) محوراً أساسياً في المعادلة السورية. فقد كشفت صحيفة ذا ناشيونال عن تكثيف واشنطن جهودها لمنع حدوث صدام مباشر بين دمشق و”قسد”، عبر مقاربة جديدة تبتعد عن الضغوط المباشرة التي مارستها في السابق.
ووفق الصحيفة، فإن الإدارة الأميركية لا تزال تدفع “قسد” إلى تقديم تنازلات، خصوصاً في المناطق العربية الغنية بالنفط، إلا أن حسابات واشنطن تغيّرت بعد أحداث السويداء الأخيرة التي أودت بحياة المئات من أبناء الطائفة الدرزية. واعتبرت مصادر مطلعة أن “إسرائيل لا تستطيع الدفاع عن الأقليتين الكردية والدرزية معاً، لذلك أعطت الأولوية للدروز”، ما انعكس على الموقف الأميركي الذي بات أكثر مرونة تجاه “قسد”.
وفي هذا السياق، تتحضر إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة للجنة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، لزيارة دمشق، في خطوة يُتوقع أن تمهّد لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة حول مستقبل الإدارة الذاتية ودور “قسد” في المعادلة العسكرية والسياسية.
معالجة ملف منع السفر: استعادة الثقة بين المواطن والدولة
من الملفات الداخلية البارزة، أعلنت وزارة العدل السورية عن إحراز تقدم ملموس في معالجة الإشارات المتعلقة بمنع السفر والحجز، والتي تراكمت منذ أكثر من 14 عاماً لتشكّل عبئاً ثقيلاً على مئات الآلاف من المواطنين.
المتحدث باسم الوزارة أكد أن “ملايين الإشارات أُزيلت حتى الآن، بينما تُعالج الحالات المتبقية بالتعاون مع وزارات الداخلية والمالية”. كما أوضح أن التعليمات الجديدة تمنع توقيف القادمين إلى البلاد بسبب هذه الإشارات، حيث يكتفى بإلزامهم بمراجعة الجهات المختصة لتسوية أوضاعهم.
هذه الخطوة، بحسب مراقبين، تهدف إلى ترميم العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، خصوصاً أن ملف منع السفر كان أحد أبرز مظاهر البيروقراطية والفساد، وأدى إلى فقدان الثقة لسنوات طويلة.
دهم إسرائيلي وتنامي الانفلات الأمني
في الجنوب، واصلت إسرائيل تدخلاتها المباشرة، حيث دهم رتل عسكري قرية عابدين في حوض اليرموك بريف درعا الغربي، وفتّش منزلين دون تسجيل اعتقالات. كما أفرجت عن خمسة شبان من أصل سبعة من قرية جباتا الخشب في ريف القنيطرة، بعد ساعات من احتجازهم في ظروف غامضة.
بالتوازي، يعيش الجنوب السوري على وقع انفلات أمني متزايد، إذ شهدت مدينة طفس عملية اغتيال جديدة استهدفت شاباً برصاص مجهولين، ما يعكس استمرار حالة الفوضى الأمنية رغم التفاهمات المحلية السابقة.
دمشق: تفجيرات واحتقان اجتماعي
في العاصمة دمشق، وقع انفجار بعبوة ناسفة في حي المزة 86، استهدف أحد عناصر الأمن الداخلي دون أن يسفر عن ضحايا. وزارة الداخلية أكدت أن التحقيقات جارية، في وقت تكررت فيه حوادث مشابهة خلال الأشهر الماضية.
من جهة أخرى، تواردت تقارير عن ضغوط على سكان حي السومرية لإخلاء منازلهم، وهو ما أثار موجة قلق شعبي واسع، خصوصاً أن المنطقة تشهد كثافة سكانية عالية وتضم مزيجاً اجتماعياً متنوعاً.
حلب: انتهاكات جديدة في جنديرس
شهد ريف حلب الشمالي حادثة اعتقال مثيرة للجدل، إذ داهمت مجموعة تابعة لفصيل “سمرقند” مجلس عزاء في قرية كفرصفرة واعتقلت ثلاثة مدنيين بتهمة التعامل مع الإدارة الذاتية، من دون وجود أدلة أو مذكرات قضائية.
هذه الحادثة أثارت غضب الأهالي الذين اعتبروا أن “انتهاك حرمة العزاء” يمثل تجاوزاً خطيراً للأعراف الاجتماعية والقانونية، وسط مطالبات بإطلاق سراح المعتقلين ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
انتهاكات الجندرما التركية: حصيلة دامية منذ بداية العام
رغم التراجع النسبي بعد سقوط النظام، يواصل حرس الحدود التركي (الجندرما) استهداف المدنيين السوريين الذين يحاولون عبور الحدود. وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل منذ مطلع العام سبعة مدنيين بينهم طفل، فيما أُصيب 14 آخرون بينهم نساء وأطفال.
المرصد شدد على أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس مناخ الإفلات من العقاب، داعياً المجتمع الدولي إلى الضغط على أنقرة لوقف هذه الممارسات ومحاسبة المتورطين فيها.
حمص: محاولة سرقة تستهدف خورأسقف
في محافظة حمص، نجا الخورأسقف ميشيل نعمان، النائب الأسقفي العام لأبرشية حمص وحماة والنبك للسريان الكاثوليك، من محاولة سرقة مسلّحة أمام منزله في قرية زيدل. وقال نعمان إن مسلحين ادّعوا أنهم يتبعون “الأمن العام” وهددوه بالسلاح قبل أن يسرقوا صليبه الذهبي وبعض المقتنيات.
الحادثة أثارت استياء واسعاً بين الأهالي الذين عبّروا عن قلقهم من تزايد الاعتداءات في المنطقة، خصوصاً أن استهداف شخصية دينية بارزة يعكس مستوى خطير من التسيب الأمني.
دير الزور: فساد إداري وإغاثي
في دير الزور، تتصاعد الشكاوى من الفساد في الأجهزة الأمنية والإدارية. مصادر محلية أكدت أن مسؤولين في “الأمن العام” متورطون في تغطية شبكات لتجارة المخدرات، بغطاء من قيادي يُعرف باسم “أبو الورد”.
إلى ذلك، سجلت مخالفات واسعة في توزيع المساعدات الإنسانية بمدينة الميادين، حيث حصلت عائلات ميسورة على حصص عبر الوساطات، فيما حُرمت عائلات فقيرة من أبسط حقوقها. هذه الممارسات أثارت غضباً شعبياً واسعاً، ودفعت ناشطين للمطالبة برقابة مستقلة على عمل الجمعيات المحلية.
معرض دمشق الدولي: واجهة اقتصادية وثقافية
رغم كل هذه التحديات، تواصل دمشق محاولاتها لإبراز صورة مختلفة عبر “معرض دمشق الدولي”، الذي استقطب حتى الثالث من أيلول أكثر من مليون و448 ألف زائر. وشارك في الفعاليات الفنية ما يزيد عن 300 ألف شخص، فيما جذبت الأنشطة المخصصة للأطفال 223 ألف طفل.
المعرض أقيم بمشاركة مئات الشركات المحلية والأجنبية، يُعتبر بالنسبة للسلطات نافذة لإظهار عودة “الحياة الطبيعية”، غير أن مراقبين يشيرون إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ترجمة هذا الزخم الجماهيري إلى إنعاش اقتصادي حقيقي يخفف من معاناة السوريين اليومية.
تحديات وحسابات
بين التحضيرات الانتخابية، والتجاذبات الدولية حول قسد، والتوترات الأمنية المتصاعدة، والانتهاكات الإسرائيلية والتركية، يقف السوريون أمام مشهد معقد تتداخل فيه التحديات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. ورغم محاولات السلطة إبراز صورة مغايرة عبر الفعاليات الثقافية والاقتصادية، فإن الأزمات المعيشية والأمنية ما زالت حاضرة بقوة، لتبقى الأسئلة مفتوحة حول مستقبل البلاد وقدرتها على تجاوز إرث الحرب والانقسامات.



