كتب ابراهيم بيرم لـ”أخباركم – أخبارنا”
في اعقاب الجلسة الاخيرة للحكومة اللبنانية، لا يترك الحزب اي فرصة الا ويعبّر فيها عن ارتياحه لتطورين محوريين برزا معاً:
– النتائج التي تمخضت عن تلك الجلسة ومقرراتها ومسار المناقشات في خلال ساعاتها الاربع.
– طبيعة الخطة العملانية التي عرضها قائد الجيش العماد رودولف هيكل إبان الجلسة انفاذاً لقرارات جلستي 5 و7 آب الماضي لضمان حصرية السلاح بيد الدولة، مما يعني نزع أي سلاح آخر غير شرعي، بصرف النظر عن عنوانه والجهة التي ما زالت تتمسك به وتصر على حمله.
وإذا كان واضحاً أن مرد الارتياح الذي يعبّر عنه الحزب لمقررات الجلسة الاخيرة، الى قناعة باتت راسخة عنده فحواها أن تنفيذ قرار حصر السلاح او نزعه، قد صار الى تجميد بصرف النظر عن الابعاد المخفية وطبيعة التفاهمات التي افضت الى هذه النتيجة. وهي قناعة ترتكز بطبيعة الحال على الغموض الذي اكتنف تلك الجلسة المفصلية وما سبقها من اتصالات مكثفة افضت الى ما يعتبره البعض “صفقة تسوية”، وما نتج منها من مقررات وصفها البعض بأنها حمّالة اوجه، الى درجة ان صحف الخليج العريقة تقاطعت في اليوم التالي للجلسة على وصف تلك القرارات بأنها “مغرقة في الغموض والضبابية”، على نحو يبيح لكل فريق من افرقاء النزاع في بيروت قرءاتها على النحو الذي يخدم توجهاته ويعزز رؤاه، وهو ما عبّرت عنه صحيفة “الرأي العام” الكويتية العريقة بعنوان عريض تصدّر صفحتها الاولى وجاء فيه: “الحكومة اللبنانية تدوزن خطة حصر السلاح. قررت… لم تقرر”.
ثمة في أروقة قيادة “حزب الله” من يفصح في مجالسه الضيقة عن أن مسألة حصرية السلاح وصعوبة ترجمتها عملانياً على الارض وفي المدى المنظور على الاقل، ستلقى مصير مضامين القرار الأممي الرقم 18551 الذي صدر عام 2003، إذ أنه نص صراحة حين صدوره على نزع كل السلاح غير سلاح الدولة واجهزتها العسكرية والأمنية، إلا أنه ظل لحد اليوم حبراً على ورق، واستعصى تنفيذه رغم الظروف والتداعيات التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 وخروج القوات السورية من لبنان بعدها مباشرة، والتي بدأ بعدها “محور المقاومة” ضعيفاً ومهيض الجناح.
واذا كان أمر تنفيذ قرار حصر السلاح سيظل عرضة للتأويل والاجتهاد بين قرب الانفاذ وعدم القدرة على ذلك، الى أن تقدم الدولة براهين عملانية تفيد بأن قرار الحصر الذي كان وعداً منذ اكثر من عقدين من الزمن، قد حانت لحظة الشروع الجدي في انفاذه لمرة أخيرة، مما يعني حسم الجدال المشتعل حالياً حول مآلات مقررات جلسة الجمعة وجلستي 5 و7 آب الماضي، فان السؤال الذي يطرحه البعض عن مرد الارتياح الذي يبديه الحزب للخطة التي اعدتها المؤسسة العسكرية بناء على طلب السلطة الاجرائية للبدء بتنفيذ قرار حصرية السلاح الذي اخذ فترة اشهر من السجال والجدال؟
ايضاً هناك من يزعم في اوساط الحزب بأن الخطة نفسها التي عرضها قائد الجيش في الجلسة الاخيرة للحكومة، قد وصلت نسخة منها الى جهات معنية في الحزب قبل أن تعرض امام الحكومة مجتمعة. وعلى الرغم من وضع تلك الجهات ملاحظات تقنية اساسية على مضامينها، الا ان الخلاصات النهائية التي رفعتها تلك الجهات الى قيادات الحزب على تلك الخطة، انتهت الى نتيجة محورية مفادها انه يمكن “استيعاب تلك الخطة وتجويفها، وذلك على غرار ما حصل بعد حرب عام 2006 وصدور القرار الاممي الرقم 1701، الذي نص على خلو منطقة عمل اليونيفيل من اي سلاح والتكيف معها، أو تقليل احتمالات الخطر منها الى اقصى الحدود بناء على اعتبارات ووقائع عدة”.
وفق تلك الخلاصات، ليس بالضرورة أن تكون هذه الخطة فارغة المضمون أو تخلو من الجدية والعلمية، وفق ما روّج بعض الاوساط، لكن لأن عدم ربط تنفيذها بمهلة زمنية محددة للانتهاء من التنفيذ، ابعد عن رأس الحزب سيفاً مصلتاً عبّر الحزب مراراً عن تخوفه منه، بل اعلن مسبقاً رفضه القطعي له، معتبراً انه رضوخ لطلب خارجي يستعجل نزع سلاح الحزب، في وقت ترفض اسرائيل التجاوب مع اي من مضامين اتفاق 27 تشرين الذي افضى الى وقف النار.
فضلاً عن ذلك، فان الحزب يقيم على قناعة قديمة فحواها ان مقدرات الجيش الحالية المحدودة والمعروفة قياساً على طبيعة المهمة الموكلة اليه، لا تشجعه اطلاقاً على التعهد بمهلة زمنية لانفاذ المهمة على النحو المطلوب، خصوصاً وأن الامر ليس محصوراً بمنطقة جنوب الليطاني أو شماله، بل يشمل ايضاً بيروت وضواحيها وجبل لبنان وصولاً الى البقاع، وهي البقعة التي حوّل الحزب خلال الاعوام التي تلت حرب تموز عام 2006 وديانها وجرودها القصية ومنحدراتها إلى ترسانة للصواريخ الدقيقة والبعيدة المدى، والتي عجز الطيران الاسرائيلي عن تدميرها بالكامل خلال اشهر حرب إسناد غزة رغم آلاف الغارات عليها خلال مواجهات الـ 66 يوماً، والتي تكررت ايضاً بعد سريان اتفاق وقف النار.
في المحصلة، تعتبر مصادر على صلة بالحزب أن البرنامج الرمزي لإنفاذ قرار نزع السلاح والقائم على مهلة طويلة نسبياً كفيلة باعطاء وقت لأن يرتب الحزب أموره ويرمم قواه من دون أن يقع تحت سيف الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء، والتي يعرف تماماً انها ستشتد وتتصاعد في قابل الايام لأن المطلوب عدم اعطائه فرصة لالتقاط انفاسه والشعور بأنه تحرر من الضغوط المتنوعة اليومية عليه، مما يسمح له بالتفكير في اعادة ترميم مقدراته العسكرية او تجديدها.



