أخباركم – أخبارنا/ تقرير فلسطين الميداني/ ريما يوسف
في غزة، حيث تتناثر المنازل كحطام الذاكرة، ويختلط غبار الركام بدموع الناجين، ينهض المهندس محمد أبو جراد من بين الألم ليزرع على الورق بيوتًا من الأمل. هناك، وسط حصار خانق وقصف لا يهدأ، رفض أن يهاجر أو يترك وطنه، متمسكًا بتراب حارته الذي يساوي عنده أكثر من كل عروض الأمان في الخارج.
أبو جراد، الذي دُمّر منزله كما دُمّرت آلاف البيوت، اختار أن يقاوم بطريقة مختلفة: بعد أن توقفت حياته المهنية، بدأ يرسم من جديد ملامح البيوت المهدّمة، ليحوّل صور الدمار إلى لوحات معمارية تعيد للأهالي بعض الأمل. سرعان ما تحولت مبادرته الفردية إلى رسالة جماعية، إذ صار الناس يرسلون له صور بيوتهم المنكوبة ليعيد تصميمها مجانًا، كصرخة تقول: “لا تيأسوا، يمكننا أن نعيد البناء ولو في الخيال”.
الحرب حوّلت أكثر من 268 ألف وحدة سكنية إلى ركام، وشرّدت 288 ألف أسرة، ومع ذلك ظل محمد يرسم من بين الأنقاض، يواجه القصف بالجمال واليأس بالأمل. من فيلا في رفح لم تسكن يومًا، إلى بيت في بيت حانون لم يعش أكثر من ثلاثة أشهر، كلها حكايات فقدٍ، لكنها في عينيه مشاريع حياة مؤجلة، يصر على أن يعيدها في تصاميمه كأنها ما زالت ممكنة.
حتى حين سقط بيته الجديد تحت القصف قبل أن يكتمل، لم ينكسر، بل عاد إلى بيته القديم المتهالك، حاملاً لابتوبه، يرسم ويشارك الناس تصاميمهم. بعضهم سخر من مشروعه واعتبره ترفًا، لكنه ظل مؤمنًا أن رسم بيتٍ مهدّم قد يوقظ في صاحبه إرادة البقاء.
ميدانيا، يواصل الجيش الإسرائيلي الحرب على قطاع غزة لليوم الـ703 على التوالي، في مشهد دموي يترافق مع حصار خانق وتجويع ممنهج ودمار واسع. وقد تحولت مراكز توزيع المساعدات الإنسانية، التي تعرف في القطاع بـ”المساعدات الأميركية”، إلى ساحات دم، حيث يستهدف الاحتلال بشكل مباشر المدنيين المنتظرين لسد رمق أطفالهم وسط الانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية.
ومع دخول الحرب يومها الـ175 بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار، ركّز سلاح الجو الإسرائيلي ضرباته على مناطق قريبة من تلك المراكز، ما أسفر عن مجازر بحق الجوعى والنازحين. الاحتلال يدّعي العمل على توفير “ممرات آمنة” لإيصال المساعدات التي تُسقط من الجو، لكن الواقع يشي بسياسة منظمة لتجويع السكان ومنع الإمدادات، وهو ما أدى إلى وفاة عشرات المدنيين معظمهم أطفال جراء سوء التغذية وانعدام الخدمات الطبية.
الأمم المتحدة أعلنت رسميًا المجاعة في غزة، في أول إعلان من نوعه بالشرق الأوسط، مؤكدة أن نصف مليون إنسان يواجهون جوعًا “كارثيًا”. وأشار التصنيف المرحلي للأمن الغذائي إلى أن محافظة غزة، التي تشكل نحو 20% من مساحة القطاع، دخلت مرحلة المجاعة بالفعل. ووفق المعطيات الأممية، فإن 900 ألف طفل في غزة يعانون الجوع، منهم 70 ألفًا في مرحلة سوء التغذية، فيما حذرت الأونروا من تضاعف نسب سوء التغذية بين الأطفال دون الخامسة خلال الأشهر الأخيرة.
حصيلة العدوان منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ارتفعت إلى 64,455 شهيدًا معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى 162,776 مصابًا، فيما لا يزال عدد من الضحايا تحت الركام دون قدرة طواقم الإسعاف والدفاع المدني على الوصول إليهم. منذ 18 آذار/ مارس الماضي فقط، وبعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار، ارتقى 11,911 شهيدًا وأصيب 50,735. أمّا شهداء “لقمة العيش” الذين قُتلوا أثناء انتظار المساعدات فوصل عددهم إلى 2,416، فيما أصيب نحو 17,709.
خلال الساعات الـ24 الماضية، سجّلت مستشفيات القطاع 87 شهيدًا و409 إصابات، بينهم 31 شهيدًا من منتظري المساعدات، إضافة إلى خمس حالات وفاة جديدة جراء المجاعة وسوء التغذية، ثلاث منها لأطفال، ليرتفع الإجمالي إلى 387 وفاة بينهم 138 طفلًا. ومنذ إعلان الأمم المتحدة المجاعة، سُجّلت 109 وفيات إضافية بينهم 23 طفلًا.
المجازر الإسرائيلية لم تتوقف: قصف مخيم النصيرات أوقع شهداء من عائلة الهور، فيما استهدفت طائرة مسيّرة خيمة تعود لعائلة النجار في خان يونس. وفي مدينة غزة، قصف الاحتلال منازل عائلتي بعلوشة والنمر في الشيخ رضوان، ودمّر مبانٍ سكنية في حي الرمال والدرج والتفاح. كما استُهدفت خيام للنازحين قرب مستشفى الوفاء ومنطقة السرايا، إضافة إلى مدرسة الفرابي التي تؤوي مئات النازحين قرب ملعب اليرموك، ما أدى إلى عشرات الشهداء والجرحى.
وبحسب مصادر طبية ومحلية، سقط الأحد وحده ما لا يقل عن 59 شهيدًا حتى ساعات المساء، توزعوا بين شمال القطاع (54)، الوسطى (2)، والجنوب (3). واستشهد آخرون في قصف برج الرؤية ومنازل متفرقة في مدينة غزة، بينما بقي عدد من الضحايا تحت الأنقاض.
ورغم تصاعد الانتقادات والاتهامات الدولية لإسرائيل بارتكاب “جرائم إبادة جماعية” و”سياسة تجويع”، صادق الكابينيت الإسرائيلي على خطة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بالمضي قدمًا نحو “احتلال كامل لقطاع غزة”، ما ينذر بمزيد من الدماء والمجاعة في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض وقف للعدوان أو فتح الممرات الإنسانية.



