السبت, أغسطس 8, 2026
30.8 C
Beirut

من أجل بناء الديمقراطية

نشرت في

أخباركم – أخبارنا/ د. كاوه محمود

بداية أود الاشارة الى مقولة لـ “غرامشي”: “المراحل الانتقالية في حياة الشعوب صعبة للغاية، لأن القديم يموت والجديد لم يولد بعد”. وانا اريد ان اضيف شيئاَ على هذه المقولة وهو ان القديم والجديد المتضادان في مجتمعنا يعيشان معنا، يتناقضان، يتصارعان. والقديم لديه القابلية على إعادة انتاج نفسه بأشكال أخرى، ويحتاج الجديد الى تحديد عوائق التطور والنمو وتشخيص طاقاته البشرية والذاتية والدراسة العميقة للظروف الموضوعية والعوامل الداخلية والخارجية لأننا لا نعيش في جزيرة معزولة.

اذا حددنا الجديد في هذه المداخلة بموضوعة الديمقراطية فالأصح بوجهة نظري أن نتحدث عن بناء الديمقراطية في الوقت الحاضر بالوجهة التالية.

1ــ بناء الديمقراطية في بلداننا جزء من عملية التنمية. وأقصد بذلك التنمية البشرية المستدامة الذي يضع الانسان محورا للتنمية، وليس فقاعة التنمية التي حدثت لدينا في السنوات السابقة بسبب السياسات الاقتصادية المتبعة ونجمت عنها الازمة الاقتصادية.

2ــ ارتباطا بهذه النقطة لا يكمن علاج الأزمة بالخصخصة المفرطة وفق نموذج او وصفة البنك الدولي. لقد تخلت المراكز الرأسمالية المتطورة عن الليبرالية الجديدة عند حدوث الأزمة المالية عام 2008 وهي أزمة الاقتصاد الرأسمالي واتبعت الكينيزية. فهل يجوز ونحن في كوردستان ان نستمر في الليبرالية الجديدة وفق مقاييس البنك الدولي لتخطي الأزمة. وهل يمكن تحقيق التنمية المستدامة والمشاركة في التنمية ومعالجة الفقر حسب هذه الوصفة

3ـــ تتطلب عملية بناء الديمقراطية عدم اختزالها بصناديق الاقتراع. فصناديق الاقتراع كآلة المجرشة، اذا وضعت فيها حنطة فتكون النتيجة دقيقا أي طحينا. أما اذا وضعت فيها شيئاً آخر فلا تتوقع الحصول على الدقيق. تتطلب الديمقراطية التنمية في مجال التربية المدنية، ونشر قيم المواطنة الكوردستانية باعتبارها هوية وطنية عامة لا تعلو الهويات المحلية عليها. والتربية المدنية تشمل مراجعة كاملة لأداء المؤسسات التربوية والثقافية والدينية والاجتماعية والقضائية ولدور الاحزاب السياسية في هذا المجال بما يساعد على تشكيل وتطوير العلاقات المدنية لتحل محل العلاقات التقليدية.

4ـــ شكل الخطاب الشعبوي الذي تم ممارسته خلال السنوات السابقة عاملا اساسيا في نشر الوعي المزيف مما أدى في نهاية المطاف ان لا تكون التحركات الجماهيرية عاملا اساسا في الضغط للتوجهات الرامية لبناء الديمقراطية.

5ــ تستلزم بناء الديمقراطية بناء المؤسسات الدستورية ووجود دستور ديمقراطي مدني علماني. ورغم الخطوات التي مورست خلال السنوات الماضية الا ان هذه المهمة لم تستكمل، ونتيجة عدم انجازها نتعامل اليوم مع أزمة سياسة في كوردستان تكمن محاورها في أزمة البرلمان والحكومة.

6ــ اذا تحدثنا عن عملية التنمية المستدامة لبناء الديمقراطية، فان هذه الوجهة تستكمل بالتوجهات نحو بناء الحكم الرشيد والتوجه الى اصلاح سياسي واداري ومالي وقضائي، لمحاربة الفساد.

7ــ تتطلب الديمقراطية المحافظة على الحريات المدنية عامة، حرية الفكر و التعبير والاعلام والرأي والمعتقد وحرية عمل منظمات المجتمع المدني، و حرية المكونات القومية والدينية في كوردستان للمحافظة على التعايش المجتمعي، ويتطلب ضمان حقوق جميع القوميات الموجودة في كوردستان من أشوريين كلدان سريان وارمن والتركمان والعرب، وحرية المرأة بشكل خاص والتركيز على المساواة الجندرية في الحياة العامة وفي المجتم،ع، ويستلزم ذلك ان تكون هذه الوجهة واضحا في القوانين و اساسا في التربية المدنية من جهة و تحديد دور المؤسسات الدينية في هذه المجال، بما يحول دون توظيفها لانتقاص حرية المرأة ونشر نظرة دونية تجاهها أو تجاه المكونات الدينية الموجودة في كوردستان. لقد قطعنا شوطا جيدا في هذا المجال ولكن علينا الاستمرار و لا تستكمل هذه العملية الا بالديمومة.

8ــ تتطلب بناء الديمقراطية محاربة الارهاب والتطرف الديني وهي ليست قضية أمنية وعسكرية فقط، بل قضية مجتمعية مرتبطة بالتنمية وبالتربية المدنية، وبما يحول دون ايجاد بيئة ملائمة للأرهاب والتطرف في مجتمعنا. ان الخطوة الاساسية في هذا المجال تكمن بفصل الدين عن الدولة في النظام السياسي والاشارة الى علمانية الدستور بشكل واضح.

9ـــ اضافة الى مهام بناء الديمقراطية في كوردسان فاننا نواجه مهمة أخرى وهي مواجهة فرض اليات المركزية المطلقة التي تريد السلطة في العراق فرضها على اقليم كوردستان، وممارسة الضغط عبر استخدام ورقة رواتب الموظفين ضمن وجهة التخلي عن الفيدرالية في ادارة الدولة، وتستكمل هذه المهمة مع ديمومة نضال شعبنا الكوردستاني من أجل حق تقرير المصير وحق الشعب الكوردستاني في بناء الدولة الوطنية الكوردستانية. هذه الخطوة تكون عاملا للاستقرار السياسي في العراق وتمثل حلا لاشكالية الدولة العراقية. وأرى بان هناك ارتباط موضوعي بين المهمتين لا من منطلق ميكانيكي والانتظار لبناء الدولة حتى نبني الديمقراطية ولكن بناء الدولة الوطنية المستقلة سيكون عاملاً لترسيخ ما نبنيه على طريق الديمقراطية.

10ـــ يشكل الاستقطاب والصراعات الدولية والاقليمية في المنطقة عاملا معوقا لبناء الديمقراطية في المنطقة عموما. هذا البناء الذي يتطلب توفير اجواء من الحريات العامة وعدم وضع الشعوب امام خيارين أما اختيار استبداد السلطات والحكام الديكتاتوريين أو استبداد الاسلام السياسي المتطرف، أو البدائل المفروضة من قبل الأقطاب الاقليمة والدولية. وعلى العموم تشكل الصراعات بين اقطاب الرأسمالية العالمية وبالأخص الولايات المتحدة الامريكية وروسيا تحديا كبيرا ومعوقا أمام الديمقراطية في المنطقة، في وقت تحاول الترامبية معالجة أزمة الرأسمالية المعاصرة من خلال الحمائية وزيادة الانفاق العسكري.

البديل

أختتم مداخلتي بالحديث عن البديل لبناء الديمقراطية في منطقتنا بشكل عام. ان هذا البديل يتطلب ايجاد تحالفات واسعة بين القوى الديمقراطية والمدنية واليسارية بمشاركة منظمات المجتمع المدني، وفق برنامج واضح يأخذ المعوقات التي تناولتها في النقاط أعلاه بنظر الاعتبار. وأرى ان المهمة ليست سهلة وخاصة اذا نظرنا الى الامور بترابطها حيث نشهد صعود اليمين المتطرف في أوروبا وانحسار لدور الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين واليسار عموماً. وأزعم بأن المطلوب من اليسار عموماَ ومن أحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وهي تمثل أكبر تجمع سياسي مراجعة توجهاتها وخطابها السياسي في كل بلد، بحيث يكون هناك تمييز في التوجهات السياسية بين الاشتراكية الديمقراطية واليسار عموما، وبين الاحزاب الليبرالية والمحافظين والليبراليين الجدد، بحيث لا تكون سياساتها في نهاية المطاف تخدم جشع الرأسماليين وحروبها وأزماتها الداخلية، وما تخلقها من أزمات في العالم أزمة الهجرة والتلوث البيئي وغيرها، ولكي يكون هناك بصيص أمل في هذا العالم المثقل بالأزمات، كما تتطلب قراءة المستجدات في الأوضاع الإقليمية والدولية والتي تتطلب الحذر من اتخاذ مواقف تصب في مصالح الأنظمة الظلامية والأستبدادية.

أنا كشيوعي لا أزال متفائلا ليس بشكل ساذج ولكن من منطلق فهمي لفلسفة التاريخ، فالتاريخ ليست له نهاية كما أدعى فوكوياما، وما يجري في العالم وفي منطقتنا وفي بلدنا ليس صراعا للحضارات كما أدعى هنتكتون، بل شكل من أشكال الصراع الطبقي ضمن الخصوصيات الوطنية في ظل العولمة.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل القضية الكردية: هل كان إقليم كردستان يستعد ليكون في قلب المعادلة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كانت هناك إشارات مبكرة إلى أن المنطقة تتجه نحو...

أنفاق الحزب في كسروان وجبيل والمختارة .. الرواية والدليل؟

أخباركم - أخبارنا/ فاطمة حوحو لم تكن عبارة شارل جبور عن أنفاق حزب الله في...

محمد نجيب الله وأفغانستان بين مشروع الدولة الحديثة وسقوط الجمهورية: من الإصلاحات إلى رعب طالبان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد البدايات: طبيب من كابول يصعد إلى قيادة دولة ممزقة وُلد...

سيبان حمو بين هوية القائد وتناقضات المشروع: قراءة في مسار قسد ومأزق القضية الكردية في سوريا

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم يكن صعود اسم سيبان حمو داخل قوات سوريا...

More like this

التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل القضية الكردية: هل كان إقليم كردستان يستعد ليكون في قلب المعادلة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كانت هناك إشارات مبكرة إلى أن المنطقة تتجه نحو...

محمد نجيب الله وأفغانستان بين مشروع الدولة الحديثة وسقوط الجمهورية: من الإصلاحات إلى رعب طالبان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد البدايات: طبيب من كابول يصعد إلى قيادة دولة ممزقة وُلد...

مآلات المشروع الإيراني: من “النهضة الثورية” إلى “الهيمنة المذهبية”

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود الأيديولوجيا والبدايات: إعادة كتابة الهويةانطلقت الثورة الإيرانية بسردية ذكية جمعت...