أخباركم – أخبارنا
حسين قاسم / كاتب سياسي
بعد انهيار الاتحاد اليوغوسلافي مطلع تسعينيات القرن الماضي، والذي كان يضم ست جمهوريات هي: صربيا، كرواتيا، سلوفينيا، البوسنة والهرسك، مقدونيا والجبل الأسود، ومع سقوط الحكم الشيوعي ودخول البلاد في أزمات اقتصادية وسياسية عاصفة منذ أواخر الثمانينيات، بدأ التفكك والانفجار في شكل نزاعات وحروب دامية شهدتها البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995، ثم كوسوفو بين 1998 و1999، وكانت حصيلتها أكثر من مئة ألف قتيل وملايين النازحين واللاجئين. خرجت صربيا منهكة ومعزولة دولياً، فيما بقيت البوسنة والهرسك دولة هشة بنظام سياسي معقد تحت إشراف دولي حتى اليوم. وقد تزامن ذلك مع الانهيار الأكبر، أي سقوط المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي، وهو الحدث الذي غيّر وجهة التاريخ وفتح الباب أمام حروب مأساوية ما زالت تداعياتها ماثلة حتى الآن. وإذا كان التاريخ، كما يقول كارل ماركس، حين يتكرر يكون في المرة الأولى مأساة وفي الثانية مهزلة، فإن تلك المقولة تنطبق بوضوح على مشهدنا الراهن.
ففي الحقبة ذاتها بدأ التحالف الغامض بين إيران والولايات المتحدة، إذ أسقطا معاً نظام صدام حسين في العراق، لكلٍ منهما أهدافه المعادية الخاصة، لكن النتيجة تحولت إلى مهزلة. فقد فتحت الشهية الإيرانية لتشكيل ما سُمّي بالحلف الفارسي، وهو ما أطلق عليه ملك الأردن لاحقاً اسم “الهلال الشيعي”، قبل أن تتباهى طهران بسيطرتها على أربع عواصم عربية، رافعة شعار فلسطين كغطاء لكل سياساتها، وصولاً إلى مياه المتوسط عبر ذراعها الأبرز “حزب الله” في لبنان.
بلغت التجارة السياسية بين واشنطن وطهران ذروتها، لكنها انتهت عند الطوفان الفلسطيني في غزة، وحرب المساندة من لبنان، وتقدم المشروع النووي الإيراني. عند هذه اللحظة حصل الانفصال الحاد بين المشروعين: الأميركي – الإسرائيلي اختار النهج الجذري بإنهاء الحلف الإيراني والاستغناء عن خدماته التي قدّمها منذ الحرب على الاتحاد السوفياتي في أفغانستان مروراً باحتلال العراق وصولاً إلى تفكيك المجتمعات العربية وإضعافها، فيما واصل الحلف الإيراني رهانه على إمكانية تكليفه مجدداً للهيمنة على الجانب العربي من الإقليم. هذا الوهم ما زال قائماً حتى اليوم، ويُفسّر سلوك الأذرع الإيرانية في خمس ساحات عربية، وفي مقدمتها لبنان، رغم سقوط نظام الأسد في سوريا والضربات القاسية التي تلقتها في أماكن أخرى.
إلا أنّ إيران لم تدرك أن إسرائيل تخوض معركة وجودية لا مجال فيها للتراجع عن مشروعها الجذري. بل إن الحلف الإيراني أسدى لإسرائيل خدمة استراتيجية، إذ منحها تفوقاً بارزاً وحوّلها إلى القوة التي تفرض شروط المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، بعدما كانت الشعوب العربية قد حققت مكاسب ملموسة في فلسطين ولبنان وأضعفت الدور الإسرائيلي.
الرهان الإيراني على تحسين موقعه في ميزان القوى ليس خطأ فحسب بل مهزلة جديدة سترتد على طهران وأذرعها، إذ لا إمكانية لإعادة عقارب الساعة في سوريا. فالأكثرية السنية السورية تدرك ذلك جيداً ولن تتخلى عن ساحتها مهما بلغت التضحيات، خصوصاً أنها تحظى بدعم دولي وعربي وإقليمي غير مسبوق، ولا تعنيها بعض الاتهامات الجانبية. أما في لبنان، فالمشهد أشد خطورة؛ إذ إن فائض القوة الذي امتلكته قوى الأمر الواقع الشيعية انتهى فعلياً، وإذا لم تعِ تلك القوى المتغيرات، فإنها تدفع بالشيعة في لبنان للانتحار وإلى مواجهة مصير لا يقل مأساوية عن مصير البوسنيين.
الأخطر أن من يتحكم بمسار الأحداث ليس الولايات المتحدة كما يظن البعض، بل إسرائيل التي تمسك بخيوط اللعبة في سوريا وفي لبنان رغم الدعم الدولي، وهي نفسها التي ترسم خطورة المرحلة بعد تدمير غزة في ظل صمت دولي من الشرق والغرب، بينما بعض الدول الغربية تنشط لانتزاع اعتراف بدولة فلسطين، والقوى الشرقية تكتفي بعروض سياسية وإعلامية لا جدوى منها.
الفرصة المتاحة للبنان للتعافي ومواجهة الأخطار تتضاءل بسرعة تحت وطأة استكبار الثنائي المذهبي، وعلى رأسها نبيه بري، الذي لم يدرك أن زمن الألاعيب السياسية قد انتهى. فوجود الطائفة الشيعية بات على المحك، ولا مخرج سوى بالاحتماء بمظلة الدولة والانخراط مع بقية المكونات اللبنانية في منطق العقل قبل أن تنفلت لغة العنف من عقالها حيث لا ينفع الندم، بعد أن ضاق هامش الصلح وغاب صوت البيان، وكي لا يتحوّل لبنان دولة هشة تتنازعه الصراعات كما هو حال البوسنة وغيرها.



