أخباركم – أخبارنا
تقرير (2)
تتداخل ملفات العلاقات الخارجية في سوريا مع التحولات الداخلية وتزايد التوترات الأمنية والاجتماعية. ويبرز في هذا السياق اليو حضور روسي رفيع المستوى في دمشق، وحوارات بين الحكومة السورية والمجلس الوطني الكردي، إلى جانب انسحاب تدريجي للقوات التركية من ريف حلب، وملفات إنسانية تتعلق بالنازحين، فضلًا عن حوادث أمنية متفرقة في عدد من المحافظات.
أولاً: العلاقات السورية – الروسية في مرحلة جديدة
أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في مؤتمر صحفي مشترك مع نائب رئيس الوزراء الروسي ألكساندر نوفاك، أن دمشق وموسكو قادرتان على بناء علاقة قائمة على السيادة والمصلحة المشتركة، مشدداً على أن أي وجود أجنبي في سوريا يجب أن يكون هدفه مساعدة الشعب السوري على بناء مستقبله.
رحب الشيباني بالتعاون مع روسيا في مجالات إعادة الإعمار والطاقة والزراعة والصحة “على أسس عادلة وشفافة”، مؤكداً أن الدعم الروسي لمسار سوريا الجديد “خطوة تصب في مصلحة البلد والمنطقة”. كما أشار إلى أن سوريا الجديدة طوت صفحة المراوغة والإنكار في ملف الأسلحة الكيميائية، وتعاونت مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، منتقداً الاعتداءات الإسرائيلية التي قال إنها تهدد استقرار المنطقة.
من جانبه، شدد نوفاك على أن العلاقات ستُبنى على الاحترام المتبادل، لافتاً إلى أهمية الزيارة المرتقبة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو للمشاركة في القمة العربية – الروسية، ومؤكداً دعم روسيا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها.
وكان الوفد الروسي الذي وصل إلى دمشق ضم مسؤولين بارزين بينهم وزير البناء والإسكان إيرك فايزولين، ونائب وزير الدفاع يونس بيك يفكوروف، ونائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين.
وتُعد هذه الزيارة ثاني تحرك روسي كبير نحو دمشق بعد سقوط نظام الأسد، حيث سبقها في كانون الثاني الماضي لقاء بين الشرع والممثل الخاص السابق للرئيس الروسي ميخائيل بوغدانوف. وتأتي هذه اللقاءات في ظل مساعٍ روسية للحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي، خصوصاً في قواعدها بطرطوس واللاذقية، مع تأكيد موسكو على دعم “التغييرات الإيجابية” في سوريا.
دعوة للحوار بين الحكومة والمجلس الكردي
من جهة ثانية، أفاد مصدر في المجلس الوطني الكردي بتلقيه دعوة رسمية من الحكومة السورية لعقد لقاء مع الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق. اللقاء، المتوقع خلال الشهر الجاري، يهدف إلى مناقشة الحقوق والمطالب الكردية ومستقبل البلاد، بعيداً عن مسار التفاوض مع “قسد” و”حزب الاتحاد الديمقراطي”.
وأكد المجلس أنه ملتزم بالرؤية الكردية المشتركة، وأن أي تفاوض يهدف إلى تثبيت الحقوق دستورياً في سوريا الجديدة. وتزامنت هذه الدعوة مع لقاء القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي مع قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، حيث ناقشا مستجدات الحوار مع دمشق، وأكد عبدي التزامه باتفاق 10 آذار، داعياً الحكومة لاتخاذ خطوات تعزز الثقة.
يُذكر أن القوى الكردية كانت قد تبنّت خلال مؤتمر “وحدة الصف والموقف الكردي” رؤية سياسية تدعو إلى نظام لا مركزي يضمن حقوق جميع المكونات القومية والدينية، ويؤسس لنظام برلماني تعددي قائم على فصل السلطات.
انسحاب تركيا من ريف حلب
وفي تطور ميداني مهم، بدأت تركيا سحب وحداتها الأمنية من ريف حلب الشمالي بعد نحو ثماني سنوات من التمركز، بالتزامن مع تدريب قوات سورية عسكرية وشرطية بموجب اتفاقية أمنية موقعة مع دمشق في آب الماضي.
وبحسب مصادر مطلعة، تلقى نحو 300 جندي وشرطي سوري تدريبات في قاعدتين بوسط وشرق تركيا، ضمن خطة تشمل تدريب 5 آلاف عنصر على المدى القصير، وصولاً إلى أكثر من 20 ألفاً على المدى الطويل.
وأخلت القوات التركية مواقع في مدن حدودية مثل اعزاز وجرابلس وسلمتها إلى قوات أمن سورية جديدة، فيما نُقلت المعدات إلى ولايات تركية مجاورة مثل هاتاي وغازي عنتاب وكلس. وتُعد هذه الخطوة تحولاً في دور أنقرة التي كانت لسنوات فاعلاً أساسياً في الشمال السوري ضد “داعش” و”قسد”.
المساعدات الإنسانية للمهجرين من السويداء
إلى ذلك، أرسل الهلال الأحمر السوري قافلة إغاثية جديدة إلى مراكز الإيواء في محافظة درعا، والتي تستقبل آلاف المهجرين من السويداء. القافلة ضمت 11 شاحنة محملة بمواد غذائية وطبية وأدوية ومياه، وجرى توزيعها في 12 مركزاً للإيواء في الريف الشرقي ومركز إضافي في الريف الغربي.
وأوضح المسؤول الإعلامي للهلال الأحمر عمر المالكي أن المساعدات “غير كافية لكنها تغطي جزءاً من الاحتياجات”، مشيراً إلى أن المنظمة تواصل تقييم الأوضاع ووضع خطط لتلبية النواقص. كما أكد أن مساعدات أخرى يجري إرسالها إلى مراكز إيواء في ريف دمشق، خصوصاً في منطقة السيدة زينب.
مستجدات أمنية متفرقة
انتهاكات في مناطق قسد
رصد المرصد السوري لحقوق الإنسان قيام عناصر يرتدون زي “قسد” بمداهمة منازل المدنيين في دبسي عفنان ومسكنة، بحثاً عن أسلحة، دون أوامر رسمية. المداهمات أثارت استياءً واسعاً واتهامات باستغلال النفوذ وتنفيذ اعتقالات خارج الأطر القانونية.
دمشق: تدقيق في البطاقات الأمنية
بدأ جهاز الأمن العام بدمشق عملية مراجعة شاملة للبطاقات الأمنية التي كانت تباع في عهد النظام السابق مقابل مبالغ مالية وصلت إلى مليوني ليرة للبطاقة. الخطوة تستهدف موظفين وتجاراً استخدموا تلك البطاقات للحصول على امتيازات أمنية، وأثارت قلقاً واسعاً بينهم خشية الملاحقة القانونية.
ريف دمشق: جريمة قتل غامضة
عُثر على جثة شاب عشريني مقتولاً بطلق ناري على طريق البترا الواصل بين ضمير والرحيبة، دون معرفة الجهة المنفذة أو دوافع الجريمة.
دير الزور: اقتتال عشائري
اندلعت اشتباكات عنيفة في قرية النملية بين “فخذ البرغوث” من بلدة النملية و”آل الدهش” من بلدة الحريجي، على خلفية ثأر قديم، ما أسفر عن مقتل شاب وإصابة ثلاثة آخرين. ووفق المرصد السوري، شهدت مناطق الإدارة الذاتية 50 اقتتالاً عشائرياً منذ بداية 2025، أودى بحياة 41 شخصاً بينهم نساء وأطفال.
حماة: جريمة قتل مروعة
في ريف حماة الغربي، عُثر على جثتي شقيقين من أبناء الطائفة العلوية مقتولين بوحشية داخل نهر العاصي، بعد تعرضهما للاختطاف وطلب فدية مالية. الجثث وُجدت مشوهة وعليها آثار تعذيب، ما أثار حالة من الغضب والخوف في المنطقة وسط تصاعد عمليات الخطف والقتل من قبل مجهولين.
تعكس التطورات الأخيرة في سوريا مزيجاً معقداً من التحولات السياسية والانفتاح الدبلوماسي، خاصة مع روسيا والأطراف الكردية، بالتوازي مع تغييرات ميدانية مثل انسحاب تركيا من الشمال. إلا أن هذه التحولات تجري وسط أزمات إنسانية متفاقمة نتيجة النزوح، وانفلات أمني يتجلى في الجرائم والاقتتالات العشائرية، ما يضع الحكومة السورية الجديدة أمام تحديات كبرى في إعادة بناء الدولة وترسيخ الاستقرار.



