أخباركم – أخبارنا
✍️ مصطفى أحمد
انهيار المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي حصل خلال عام 1990، والحملة التي تعرّض لها الحزب الشيوعي اللبناني وجبهة المقاومة الوطنية والعديد من الأحزاب والقوى الأخرى شهدت أقسى مراحلها في أعوام 1985 – 1986 – 1987، والتي حصل خلالها الاغتيالات والاعتقالات وتهجير مئات العائلات من المناطق الجنوبية التي تحررت بين عامي 1983 – 1985 (20 نيسان 1985) بشكل خاص، ولم يتبقَّ إلا منطقة الشريط الحدودي ومساحتها حوالى 800 كيلومتر مربع. وقد شهدنا منذ عدة أشهر عودة الاحتلال الإسرائيلي لمجموعة من التلال في الجنوب والخوف من إمكانية توسعه أكثر.
تم التوقف عن تسليمنا الأسلحة والذخائر في العام 1987 من قبل النظام السوري، وكانت الشحنة الأخيرة التي أرسلت من الاتحاد السوفياتي وبقيت في مستودعات مرفأ طرطوس أو اللاذقية لا أذكر بدقة. وطرح وقتها من قبل السوريين ملف حول إعطائنا الأسلحة والذخائر للفلسطينيين، وأعطونا لوائح بأرقام الأسلحة التي تحدثوا عنها، ولم نقم نحن بهذا الأمر، بل أحد الحلفاء الذين أعطيناهم أسلحة وذخائر وهم كانوا يعلمون ذلك. وأحد أسباب الحملة التي شنت ضدنا هو رفضنا المشاركة في حرب المخيمات ضد الفلسطينيين. وأذكر أنه تمت دعوة اللجنة المركزية للاجتماع في أحد مكاتبنا في منطقة دوحة عرمون لمناقشة هذا الأمر وتم رفض المشاركة في هذه الحرب بالإجماع.
وكلنا يعرف أن من الأسباب التي روّجها النظام السوري لتبرير دخوله العسكري إلى لبنان عام 1976 هو ما قيل للملك السعودي عن وجود 25 ألف مقاتل للشيوعيين اللبنانيين. الهدف الفعلي كان ضبط المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وبقي هذا الهدف قائمًا وأدى إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. وهذا ما أشار إليه كيسنجر في مذكراته الشهيرة.
ما كان مطروحًا في الاتحاد السوفياتي آنذاك هو سياسة البريسترويكا والغلاسنوست أيام غورباتشوف التي رحبنا بها كحزب، رغم اتهام جورج حاوي والحزب الشيوعي اللبناني لاحقًا بمحاولة الانقلاب الفاشلة على يد ياناييف أيام يلتسين في العام 1991.
السؤال: هل كان من الممكن أن نستمر بالعمل المقاوم؟ سؤال مشروع… لقد حاولنا واستمرت محاولاتنا حتى العام 1993 رغم الظروف الصعبة التي كان يمر بها الحزب، واستشهد في العملية الأخيرة الرفيق زيد .ع ليس على يد الإسرائيليين، إنما على يد قوى الأمر الواقع، واستشهد بعده بـ 6 سنوات الرفيق الكسي .ش بإطلاق الرصاص على المجموعة التي كانت تحاول الدخول إلى الشريط الحدودي من الخلف أيضًا. وأذكر أنني ذهبت مع جورج حاوي والتقينا قبلان قبلان رئيس مجلس الجنوب، وقال له أبو أنيس: أنتم من أطلقتم الرصاص عليه، فادفعوا له مخصصًا ماليًا كما تدفعون لغيره فلديه عائلة. وقد تم حل الأمر ورُصد مبلغ شهري لعائلته.
ونفذنا سلسلة عمليات بين 1996 والعام 2000 كان آخرها في 19 أيار 2000، أي قبل تحرير الشريط الحدودي بخمسة أيام، رغم كل العوائق وكل الصعوبات. وكلنا يذكر استشهاد الرفيق بيار أبو جودة في الفترة نفسها على يد جيش لحد في الشريط الحدودي وأسر الرفيق غسان سعيد.
لن نقول إننا بذلنا كل الجهود التي كان ينبغي بذلها، لكن توقف المال والسلاح واشتداد الحصار السياسي على الحزب ترك تأثيره الكبير، إضافة إلى الأوضاع الداخلية في الحزب والتي نشأت لأسباب عديدة أهمها:
- انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية.
- الضغوط السياسية والعسكرية والأمنية، وخاصة في النصف الثاني من الثمانينيات، ويضاف إليها مجزرة طرابلس – الميناء عام 1983 التي ذهب ضحيتها 49 شيوعيًا.
- اتفاق الطائف والعزل الذي مُورس ضدنا بعد توقيعه.
وكلنا نذكر كيف دخل غاري كنعان إلى مركز الحزب في بيروت عام 1987 بعد معركة بيروت، وقال: هل كان ضروريًا أن تدفعوا هذا الثمن من اغتيالات استهدفت قادة وكوادر الحزب؟ كما نذكر ما قاله رستم غزالة في مركز الحزب: إنكم بنيتم إمبراطورية كبيرة فيها مؤسسات في كل الميادين. ونذكر ما قاله حكمت الشهابي حول دخول الحزب الشيوعي إلى المجلس النيابي: إنه لن يحصل أبدًا.
ونذكر أيضًا كيف تُرك جورج حاوي ثلاثة أيام في فندق بدمشق بعد معركة بيروت عام 1987 ولم يقابله أحد، بينما جرى استقبال جنبلاط (رغم أنهما استدعيا معًا) وعقدوا الاتفاقات معه وطالبوه بفك تحالفه مع الحزب الشيوعي، وهذا ما حصل.
دور العامل الذاتي مهم، لكن في العام 1982 كنا نواجه عدوًا محتلًا لأرضنا. خضنا المعركة معه وأعلنا انطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وانتشرت العمليات على كل الأراضي اللبنانية، وحصل تحرير ثلاثة أرباع الأراضي اللبنانية المحتلة بين أعوام 1982 و1985. قدمنا الشهداء وكل أشكال التضحيات، وتعرض نحو 3000 شيوعي للاعتقال في سجون العدو وعملائه. وقد تجاوز عدد العمليات العسكرية التي نفذها الشيوعيون ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد جيش أنطوان لحد أكثر من 1600 عملية، وصدر كتاب عن دار الفارابي يوثقها بتفصيل.
كما نذكر كيف مُنعنا من الدخول إلى مطار بيروت عام 1998 لاستقبال الأسرى وجثامين شهداء جبهة المقاومة الوطنية، فانتظرنا على طريق المطار، رغم أن للشيوعيين عددًا كبيرًا من الأسرى والجثامين.
أما في مرحلة 1985 – 1987، فخيضت المعركة ضدنا من قبل من سُموا بالأشقاء والحلفاء والمقاومين الآخرين. حتى أقرب الحلفاء طلبوا منا عام 1983 بوقف العمليات ضد الإسرائيليين في مناطقهم، فالتزمنا على مضض وخلق ذلك مشكلة لنا مع رفاق في هذه المناطق. وهكذا تحوّلت مقاومة الاحتلال الصهيوني إلى مقاومة ذات طابع مذهبي، وها نحن ندفع ثمن هذا الأمر حتى اليوم، بعد حرب بدأت في 8 تشرين الأول 2023 وتوقف نظريًا في 27 تشرين الثاني 2024، لكنها مستمرة بوتيرة أقل حتى هذه الأيام.
هناك قضية لم نتحسب لها بدقة: التحالف بين النظام الإيراني والنظام السوري ومصالحهما المشتركة والمتباينة ومدى ارتداد ذلك على لبنان. فلقد كان الحزب صادقًا في عدائه لثالوث الإمبريالية والرجعية والصهيونية، لكن ربما لم نستطع أن نتحسب لارتدادات هذا التحالف منذ حزيران 1982 أيام حافظ الأسد واستمر مع بشار الأسد.
وأذكر أنني ذهبت مع الرفيق كريم مروة عام 1992 إلى الضاحية الجنوبية والتقينا بمحمد فنيش لغرض أن نتحالف معًا في الانتخابات النيابية، لكنه أبلغنا بعدم موافقتهم ولا موافقة النظام السوري على هذا الأمر، بعد ثلاث سنوات من المعارك بين أمل وحزب الله وخاصة في إقليم التفاح، حيث اتفق وقتها على تقاسم الأدوار وتم حصر المقاومة بحزب الله برعاية النظامين السوري والإيراني.
وأول نتيجة حصدناها مع بوادر الانهيار الذي حصل عام 1989 – 1990 للاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية كان القصف الذي تعرض له مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني بعد ظهر يوم 26 كانون الأول 1989 في بلدة الرميلة وسقط لنا العديد من الشهداء والجرحى، رغم أننا طلبنا إخلاء المركز. وقد قمت بنفسي بإبلاغهم بذلك، ونقلنا اجتماع المكتب السياسي من المركز في الرميلة إلى بيروت في وطى المصيطبة. وكذلك أكد على ذلك رفاق آخرون، لكن الصدفة لعبت دورها في تواجد بعض الرفاق في المركز، إضافة إلى الإنزال العسكري الذي حصل على مواقعنا صباحًا في بلدة النبي صفا في البقاع الغربي.
أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى الـ43 لانطلاق جبهة المقاومة اللبنانية في 16 أيلول 1982. وهي من الصفحات المضيئة في مسيرة الشيوعيين، واجهت من المصاعب ما لم يواجهه أحد منذ انطلاقتها. واستغرب الكثيرون كيف استطعنا الصمود رغم التهجير والاعتقالات وإطلاق الرصاص على مجموعات المقاومة من الخلف، إضافة إلى مواجهة العدو الإسرائيلي



