أخباركم – أخبارنا
تقرير سوريا (1)
بين زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى، وتصعيد ميداني متواصل من قبل قوات سوريا الديمقراطية، ومأساة دامية في السويداء تجلّت بوصول جثامين العشرات من أبنائها تتداخل الملفات، فيما تتصاعد الأصوات الشعبية في دير الزور والحسكة والرقة احتجاجاً على انتهاكات إدارية وثقافية، بينما تستمر الأمم المتحدة بتسليط الضوء على تدهور الأوضاع الإنسانية في الجنوب السوري.
زيارة مرتقبة للشرع إلى موسكو
أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك امس، أن الرئيس السوري أحمد الشرع سيشارك في قمة روسية ـــــ عربية من المقرر عقدها في موسكو خلال شهر تشرين الأول المقبل. نوفاك، وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في دمشق، شدّد على أهمية الزيارة في فتح صفحة جديدة مع سوريا وتعزيز التعاون الثنائي.
الوفد الروسي الرفيع الذي وصل دمشق ضمّ شخصيات بارزة بينها وزير البناء والإسكان إيرك فايزولين، ونائب وزير الدفاع يونس بيك يفكوروف، ونائب وزير الخارجية سيرغي فيرشينين. واستُقبل الوفد في مطار دمشق من قبل ماهر الشرع، الأمين العام لرئاسة الجمهورية، إلى جانب السفير الروسي في سوريا ألكسندر إيفيموف.
وقد ناقش الشرع مع الوفد الروسي في قصر الشعب سبل تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن والدفاع والسياسة، بما يخدم مصالح البلدين، وسط مساعٍ روسية لإعادة تثبيت حضورها السياسي والعسكري في سوريا بعد سنوات من التراجع النسبي.
تصعيد أمني من قسد في الحسكة والقامشلي
في شمال شرقي سوريا، واصلت “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” حملات اعتقال واسعة في مدن الحسكة والقامشلي، تحت ذريعة مكافحة خلايا تنظيم داعش.
وأفادت مصادر محلية بأن قسد اعتقلت نحو 80 شاباً في القامشلي من أحياء طي وهلالية، واقتادتهم إلى معسكرات التجنيد الإجباري. كما طالت حملة أخرى في أحياء الحسكة، بينها غويران والنشوة والعزيزية والزهور، أكثر من 40 شخصاً، بينهم إمام مسجد التوحيد.
المرصد السوري لحقوق الإنسان اتهم “قسد” باستخدام مكافحة الإرهاب ذريعة لاستهداف ناشطين معارضين لها أو مؤيدين للحكومة السورية، ما زاد من حدة التوترات الشعبية في المنطقة. وسبق أن سجّل المرصد خلال الأشهر التسعة الماضية وقوع 109 جرائم قتل في مناطق الإدارة الذاتية، راح ضحيتها 127 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي.
مأساة السويداء: وصول جثامين ضحايا
الخبر الأكثر مأساوية جاء من السويداء، حيث وصلت إلى المشفى الوطني جثامين 16 قتيلاً من أبناء المحافظة، بعد أن كانت محتجزة في مشافي دمشق. هؤلاء الضحايا قضوا في الهجمات التي شنتها قوات الحكومة المؤقتة والمسلحين الموالين لها منتصف تموز، وسط اتهامات بارتكاب إعدامات ميدانية.
المرصد السوري أوضح أن بعض الضحايا أُعدموا ميدانياً برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية خلال الهجوم على المدينة في 13 تموز، بينما قُتل آخرون في القصف الإسرائيلي الذي طال مواقع عدة في الجنوب.
الحصيلة الإجمالية للقتلى منذ اندلاع أحداث السويداء منتصف تموز بلغت حتى الآن أكثر من 2026 شخصاً، بينهم 730 من أبناء المحافظة وغالبيتهم من الطائفة الدرزية، إضافة إلى عناصر أمنية وعسكرية، و15 قتيلاً جراء الغارات الإسرائيلية، وعشرات المدنيين من الطوائف الأخرى.
المشهد الإنساني في السويداء ما زال قاسياً، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين وتأكيد المرصد على وجود جثامين لم يُعرف مصير أصحابها بعد.
تقرير الأمم المتحدة: نزوح واسع وتدهور المعيشة
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أصدرت تقريراً جديداً يؤكد أن أحداث السويداء تسببت بنزوح أكثر من 187 ألف شخص منذ منتصف تموز، يقيم ثلثاهم داخل المحافظة نفسها، بينما توجّه آخرون إلى درعا وريف دمشق.
التقرير شدّد على أن المدارس والمراكز الجماعية المكتظة تُستخدم كملاجئ مؤقتة، ما يعرّض آلاف العائلات لأوضاع غير صحية ويزيد من مخاطر تفشي الأمراض. كما أشار إلى أن 8,500 نازح عادوا إلى بلداتهم مؤخراً، خصوصاً في صلخد ومدينة السويداء، لكن التوتر الأمني ما يزال قائماً.
استجابة المفوضية الإنسانية شملت توزيع أكثر من 11 ألف طرد إغاثي بين 19 تموز و8 أيلول، إضافة إلى خدمات حماية ودعم نفسي واجتماعي. كما جرى تركيب إنارة شمسية في بعض مراكز الإيواء وتحسين الخصوصية والأمان للنساء والفتيات.
أصوات احتجاجية في دير الزور
في الشرق، أثار قرار تحويل متحف دير الزور – أبرز صرح ثقافي في المنطقة – إلى مكاتب للتنمية الإدارية موجة استياء شعبي. الأهالي وجّهوا عريضة بعنوان “أنقذوا متحف دير الزور من الطمس”، معتبرين أن القرار يشكّل اعتداءً على الذاكرة الثقافية للفرات الأوسط.
الموقعون على العريضة دعوا الحكومة الانتقالية إلى وقف أي إجراء يغيّر من وظيفة المتحف، وإعادة تفعيله كمركز ثقافي وسياحي يليق بتاريخ حضارات مثل “ماري” و”تل الشيخ حمد”، مع احترام المواثيق الدولية الخاصة بحماية التراث.
تغييرات مثيرة للجدل في دمشق
في العاصمة دمشق، شهدت هيئة الاستثمار تغييرات إدارية شملت إعفاء مدراء من المكون العلوي والمسيحي واستبدالهم بموظفين من الطائفة السنية الدمشقية حصراً. الخطوة أثارت جدلاً واسعاً واعتبرها مراقبون مخالفة للقوانين النافذة ومحاولة لتحويل الهيئة إلى شركة خاصة.
كما أثارت نقابة المحامين جدلاً بسبب قرارات تنظيمية تضمنت شطب عشرات المحامين، وسط اتهامات بالتسييس والتضييق. بعض المحاضرات التي ألقاها مسؤولون ضد جماعة “الإخوان المسلمين” اعتُبرت تجاوزاً للمعايير المهنية، وأثارت استياء بين المحامين.
تحركات اجتماعية في السويداء
بالتوازي مع المأساة الإنسانية، شهدت مدينة شهبا وقفة نسائية طالبت بالإفراج عن المختطفين والمخطوفات، فيما نظمت عشائر البدو المهجّرة وقفة احتجاجية في بلدة الدارة للمطالبة بالعودة إلى قراهم بعد التهجير القسري. المشاركون أكدوا رفضهم لدعوات التقسيم، مطالبين بعودة آمنة ومنظمة.
استجابة إنسانية في الحسكة
إلى الشمال الشرقي، استجابت الإدارة الذاتية لمعاناة نازحي عفرين في القامشلي، بعد تقارير حقوقية تحدّثت عن حرمانهم من المساعدات الغذائية لشهرين متتاليين. الأهالي تسلّموا حصصاً تكفي لشهرين، ما خفف جزئياً من معاناتهم وسط أزمة عمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
المرصد السوري اعتبر هذه الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، مؤكداً ضرورة ضمان وصول المساعدات بشكل منتظم.
دوامة معقدة
المشهد السوري اليوم يتوزع بين دبلوماسية عالية المستوى مع استعداد الشرع لزيارة موسكو، وتصعيد أمني متواصل من قبل قسد في الشمال الشرقي، ومأساة إنسانية متجددة في السويداء مع وصول جثامين الضحايا. وفي الوقت نفسه، تتصاعد الاحتجاجات الشعبية دفاعاً عن التراث والعدالة في دير الزور ودمشق، فيما تواصل الأمم المتحدة وشركاؤها محاولات الاستجابة الإنسانية.
الوضع يعكس بوضوح أن سوريا ما تزال رهينة دوامة معقدة تجمع السياسة بالدم، وتضع المدنيين دائماً في قلب المأساة



