أخباركم – أخبارنا/ تقرير لبنان السياسي
في مشهد سياسي مليء بالتحديات، أثبتت الحكومة اللبنانية أنها قادرة على الموازنة بين الضغوط الدولية والإصلاحات الداخلية، مسلطة الضوء على مسار الدولة نحو تعزيز سيادتها وبسط سلطتها على كامل الأراضي. وخلافاً للأجواء التي سادت بعد جلسة مجلس الوزراء في 5 أيلول، والتي فسّرت على أنها تراجع في ملف حصر السلاح بيد الدولة، أظهرت التطورات الأخيرة أن الدعم الخارجي، من واشنطن إلى باريس والرياض، مرتاح لما تحقق من خطوات عملية، ما انعكس في حزم مساعدات عسكرية وأممية، ومؤتمرات دولية مرتقبة لدعم الجيش اللبناني وإعادة الإعمار.
زيارة الموفد الفرنسي جان‑إيف لودريان إلى بيروت، بعد اتصالاته في السعودية، حملت رسائل دعم واضحة للحكومة اللبنانية، وأكدت استمرار الالتزام الفرنسي بدعم الجيش والبنى التحتية، مع التركيز على الإصلاحات الاقتصادية والمالية، التي يرى المجتمع الدولي أنها المدخل الأساسي لتعزيز الاستقرار والنهوض الاقتصادي.
وخلال لقاءاته مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، أكدت السلطات اللبنانية التزامها بمسار الإصلاح، من خطة الجيش لحصر السلاح، إلى قوانين إعادة تنظيم المصارف وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، مع الحفاظ على حقوق المودعين واستعادة الثقة الدولية.
على الأرض، يستمر الجيش اللبناني في تطبيق خطته الأمنية على كامل الحدود، بينما تتواصل خروقات الاحتلال الإسرائيلي، من غارات على الجنوب والبقاع إلى استهداف البنى التحتية، في وقت أثارت تصريحات وزارة الداخلية السورية حول خلية مزعومة جدلاً نفاه حزب الله لاحقاً. وفي المقابل، تواصل الحكومة تعزيز الإصلاحات المؤسسية، من إطلاق خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية (ستارلينك) إلى تعيين هيئات ناظمة للكهرباء والاتصالات، مع الإعداد للانتخابات النيابية وضمان حقوق المغتربين.
في هذا السياق، يبدو لبنان في مفترق حاسم، يجمع بين الضغوط الدولية، الخطوات الإصلاحية الداخلية، والمواجهة الأمنية، في رسالة واضحة: الدولة ماضية نحو سيادتها واستقرار مؤسساتها، مهما كانت التحديات.
فعلى وقع إعلان وزارة الدفاع الأميركية الموافقة على مساعدات أمنية للبنان بقيمة نحو 14.2 مليون دولار للجيش اللبناني، حط الموفد الرئاسي الفرنسي جان‑إيف لودريان في بيروت آتياً من السعودية، حيث أجرى اتصالات حول الوضع اللبناني، حاملاً، على ما يبدو، رضى خارجياً على قرارات الحكومة اللبنانية، ما يشجع على توقع دعم إضافي للبنان عسكرياً واقتصادياً.
استهل لودريان جولته اللبنانية من بعبدا، حيث أعرب له رئيس الجمهورية العماد جوزف عون عن امتنانه للدور الذي يلعبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التحضير لعقد مؤتمرين لدعم الجيش اللبناني وإعادة الإعمار. وأبلغ لودريان أن لبنان ماضٍ في إنجاز الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ليس فقط لأنها مطلب دولي، بل لقناعة لبنانية راسخة بأن هذه الإصلاحات تشكل مدخلاً أساسياً لعملية النهوض الاقتصادي. وأكد الرئيس عون للوزير لودريان، خلال الاجتماع الذي حضره السفير الفرنسي في بيروت هيرفيه ماغرو، أن الحكومة تعمل على إنجاز مشروع قانون الفجوة المالية خلال شهر أيلول الجاري وإحالته إلى مجلس النواب لدرسه وإقراره، وذلك بعد صدور قانون السرية المصرفية وإعادة تنظيم المصارف وغيرها من الإجراءات والتدابير.
وأشار الرئيس عون إلى أن الجيش يواصل تطبيق الخطة الأمنية بدءاً من منطقة جنوب الليطاني لسحب كل المظاهر المسلحة من جميع الأطراف اللبنانيين والفلسطينيين، إلا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من الأراضي اللبنانية يحول دون استكمال انتشار الجيش حتى الحدود الدولية. وأوضح أن لبنان طالب مرات عدة بإلزام إسرائيل بالتقيد بالاتفاق الذي أعلن في 27 تشرين، إلا أن كل الدعوات لم تلقَ أي تجاوب من الجانب الإسرائيلي الذي يواصل اعتداءاته على لبنان، ولم يُعد حتى الساعة أي من الأسرى اللبنانيين، ولم يلتزم بتطبيق القرار 1701. وأكد الرئيس عون أن أي ضغط فرنسي أو أميركي على إسرائيل للتجاوب مع إرادة المجتمع الدولي بوقف الأعمال العدائية ضد لبنان سوف يساعد على استكمال الخطة الأمنية التي وضعها الجيش ورحب بها مجلس الوزراء الأسبوع الماضي. ولفت إلى أن الجيش يواصل عمله على الأراضي كافة وعلى طول الحدود، ويقيم الحواجز ونقاط التفتيش، ولديه أوامر صارمة بمصادرة الأسلحة والذخائر من أي جهة كانت، مشدداً على أن التماسك والتضامن بين اللبنانيين ثابت لا جدال فيه، وأن التباين في وجهات النظر حيال بعض القضايا السياسية أمر طبيعي في النظم الديمقراطية.
وكان لودريان قد نقل إلى الرئيس عون تحيات ماكرون وتأكيده استمرار الدعم الفرنسي للبنان في المجالات كافة، لا سيما بالنسبة للعمل على انعقاد مؤتمرين دوليين، الأول لدعم الجيش اللبناني، والثاني لدعم الاقتصاد وإعادة الإعمار. واطلع الوزير على نتائج الاتصالات المشجعة التي أجرى في المملكة العربية السعودية، مشيراً إلى أن الإجراءات التي اتخذها لبنان في 5 آب و5 أيلول، ومنها الخطة التي وضعها الجيش لتحقيق حصرية السلاح، إضافة إلى إصدار قوانين إصلاحية في المجالين الاقتصادي والمالي، شكلت خطوات إيجابية من شأنها زيادة الدعم الخارجي للبنان في مختلف المجالات.
بعد ذلك، توجه لودريان والوفد المرافق إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، ثم زار السراي الحكومي حيث استقبله رئيس الحكومة نواف سلام، الذي أطلعه على الوضع العام في لبنان بعد القرارات الحكومية الأخيرة لجهة حصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن هذا المسار أصبح خياراً وطنياً لا عودة عنه. كما عرض الرئيس سلام أولويات عمل الحكومة في المرحلة المقبلة، محدداً ثلاث محطات أساسية تشكل ركائز في هذا المسار: مؤتمر إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي لتعبئة الموارد اللازمة للبنى التحتية والمساكن وتحريك عجلة الاقتصاد، مؤتمر دعم الجيش اللبناني لتأمين التمويل والقدرات اللوجستية والعتاد بما يمكّنه من تعزيز الاستقرار وبسط سلطة الدولة، ومؤتمر “بيروت 1” للاستثمار لفتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات وترسيخ ثقة المجتمع الدولي بلبنان. وشدد الرئيس سلام على أن هذه المحطات مترابطة وتكمل بعضها البعض، إذ لا يمكن تحقيق النهوض الاقتصادي من دون الاستقرار الأمني، ولا ترسيخ الاستقرار من دون مؤسسات قوية وبيئة استثمارية جاذبة، مؤكداً أن إنجاح هذه المسارات الثلاثة يتطلب دعم فرنسا، إلى جانب الأصدقاء العرب والدوليين.
وفي وقت حضرت الإصلاحات في صلب محادثات لودريان، استقبل الرئيس عون رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، الذي أكد أن السيادة والحقوق لا يكونا منتقصين، مشدداً على أن مقومات الدولة وسيادتها وحقوق المواطنين يجب أن تُؤمن بالكامل، لتصبح الدولة قادرة على حماية الجميع وصون حقوقهم. وأوضح أن الإصلاح المالي ليس شعاراً في زمن الانتخابات، بل هو عمل مستمر لتأمين الحقوق والشفافية والمحاسبة، مع التركيز على ودائع اللبنانيين المرتبطة بقانون الفجوة المالية واسترداد الأموال، مؤكداً أن السيادة وحقوق الناس لا تتجزأ.
على صعيد التحالفات الإقليمية، التقى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع سفير دولة قطر في لبنان الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، حيث أطلع جعجع على المشاريع المرافقة للجهود القطرية لدعم الدولة والشعب اللبناني، مؤكداً السفير دعم قطر واللجنة الخماسية لقرارات الحكومة اللبنانية، بما يشمل البنى التحتية والجيش والأجهزة الأمنية، مع التأكيد على التضامن مع الشعب القطري ومساندة أمن واستقرار المنطقة.
وعلى الصعيد الداخلي، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في جلسته العادية الترخيص لشركة «ستارلينك لبنان» لتوزيع خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية على كامل الأراضي اللبنانية، ووافق على سلسلة تعيينات في الهيئات الناظمة، أبرزها تعيين مروان جمال رئيساً للهيئة الناظمة للكهرباء وجيني الجميّل رئيسة الهيئة الناظمة للاتصالات، إلى جانب تعيين دانيال جحا وسورينا مرتضى وهنري ضاهر وزياد رحمة أعضاء في الهيئة الناظمة للكهرباء.
وشهدت الجلسة مناقشة مشروع قانون موازنة عام 2026، إضافة إلى ملفات طارئة، وأكد وزير الإعلام بول مرقص أن الحكومة تسعى لإنهاء دراسة مشروع الموازنة قبل نهاية الشهر المقبل. وأوضح وزير الطاقة جو صدي أن تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء خطوة إصلاحية أساسية، تقنية لا سياسية، تتيح تحييد القطاع عن التدخلات السياسية وفتح المجال أمام الاستثمار في الطاقة المتجددة.
وفي الشق الانتخابي، أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار أن الانتخابات النيابية ستجري في موعدها، مع فتح مهلة تسجيل المغتربين قريباً على أن تنتهي في 20 تشرين الثاني، مؤكداً استعداد الوزارة للتكيف مع أي تعديل قانوني محتمل، كما تتابع الحكومة ملف تبادل الأسرى. أما وزير الاتصالات شارل الحاج فأكد أن وزارته أنجزت كل ما يلزمها في ملف ستارلينك، وبات القرار بيد مجلس الوزراء، مضيفاً: «خلصنا كل اللي علينا».



