أخباركم – أخبارنا
تلتئم في الدوحة قمة استثنائية عربية – إسلامية، في لحظة مثقلة بالدماء والأنقاض التي خلّفها العدوان الإسرائيلي الأخير. فالهجوم لم يكتف باستهداف غزة، بل اخترق السيادة القطرية، موجهاً رسالة استخفاف بالعرب جميعاً، في وقت كان وفد عربي يبحث مبادرة أميركية لوقف إطلاق النار والإفراج عن المحتجزين. ومع ذلك، فإن الرهان على هذه القمة لا يتوقف عند حدود التضامن مع قطر، بل عند قدرتها على التحول إلى محطة مفصلية تعيد الاعتبار للعمل العربي والإسلامي المشترك.
التاريخ يقول إن معظم القمم السابقة اكتفت ببيانات تنديد وتضامن، سرعان ما فقدت بريقها. لكن نراهن على ان يكون السياق اليوم مختلف: فالولايات المتحدة لم تتجاوز في ردّها على العدوان سوى عبارات أسف باردة، فيما إسرائيل واصلت عنجهيتها، مطمئنةً إلى أن الموقف العربي المتشرذم لن يفرض عليها ثمناً سياسياً أو عسكرياً.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: التفكك العربي هو السلاح الأقوى بيد إسرائيل. فبدلاً من جبهة موحدة، يواجه الاحتلال دولاً متفرقة، بعضها يهرول نحو التطبيع المنفرد، وبعضها غارق في أزماته الداخلية، فيما يبقى الفلسطينيون وحدهم في الميدان. هذا الانقسام سمح لإسرائيل بأن تضرب في غزة ولبنان وسوريا، بل أن تخترق سيادة دول أخرى، من دون أن تخشى رداً جماعياً يردعها.
قمة الدوحة، إذن، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون نسخة جديدة من قمم “التضامن المعنوي”، أو أن تتحول إلى بداية مسار عملي نحو مشروع دفاعي عربي – إسلامي مشترك، يملأ الفراغ الأمني الذي تستغله إسرائيل. وهذا المشروع لا يعني إعلان حرب، بل بناء قوة ردع جماعية، تعيد الاعتبار للسيادة العربية وتجعل العدوان أكثر كلفة على المعتدي.
في السياسة، يبقى التوافق على المبادرة العربية للسلام أساساً للموقف المشترك، لكن من دون أدوات دفاعية حقيقية، سيبقى هذا الموقف حبراً على ورق. فالعالم لا يحترم إلا من يحمي نفسه، وإسرائيل تدرك أن عنجهيتها ممكنة لأن العرب متفرقون.
إن الرهان على قمة الدوحة ليس في بياناتها الختامية، بل في قدرتها على كسر قاعدة العجز العربي، وصياغة بداية جديدة لعمل مشترك. فإما أن تكون محطة فاصلة تعيد الثقة لشعوب فقدت الأمل بالقمم، أو أن تضاف إلى الأرشيف الطويل لاجتماعات انتهت بالكلمات وتركت الميدان لإسرائيل وعنجهيتها.
مقترحات عملية للخروج من الحلقة المفرغة:
- إنشاء آلية دفاع مشترك تدريجية تبدأ بتنسيق أمني بين مجموعات من الدول العربية والإسلامية القادرة، لتشكيل قوة ردع رمزية تفرض حساباً جديداً على أي معتدٍ.
- تفعيل مجلس اقتصادي عربي – إسلامي يربط الأمن بالاستثمار، بحيث تتحول المصالح الاقتصادية المشتركة إلى عامل ضغط سياسي ودفاعي.
- تشكيل غرفة عمليات سياسية – إعلامية مشتركة لمواجهة الرواية الإسرائيلية على الساحة الدولية، وتنسيق الخطاب الموحد في الأمم المتحدة والمحافل الكبرى.
- إعادة الاعتبار للجبهة الداخلية عبر دعم استقرار كل دولة عربياً وإسلامياً، باعتبار أن الفراغ الداخلي هو الثغرة الأكبر التي تسمح للاحتلال بالتوسع.
إذا ما خرجت قمة الدوحة بخطوات عملية من هذا النوع، يمكن القول إن العرب بدأوا أخيراً في الانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الأفعال، ومن وهم التضامن إلى بناء تضامن حقيقي يحمي السيادة ويصون المستقبل.



