أخباركم – أخبارنا / ريما يوسف
14 أيلول لم يعد يومًا عاديًا في ذاكرة اللبنانيين. في الأصل، هو عيد الصليب، عيد الانتصار والرجاء ورفع الألم إلى معنى الخلاص. لكن منذ العام 1982، صار الجرح النازف، وصار اليوم الذي انكسر فيه حلمُ وطنٍ صغير كان ينتظر خلاصه على يد رجل استثنائي اسمه بشير الجميّل. في الساعة الرابعة وعشر دقائق بعد الظهر، دوّى الانفجار في الأشرفية، وسقط “الباش” شهيدًا قبل أن يدخل القصر الجمهوري، تاركًا خلفه حلمًا كبيرًا وأملًا عظيمًا لم يُكتب له أن يكتمل.
بشير، الذي لم يحكم يومًا إلا واحدًا وعشرين يومًا كرئيس منتخب، صار رمزًا يتجاوز حدود السياسة. كان الصوت الذي وعد بلبنان 10452 كيلومترًا من دون سلاح غير شرعي، وبجيش واحد يحمي، ودولة سيّدة لا تخضع لا لسوريا ولا لإسرائيل. كان يحاول أن يكون الجامع بين التناقضات، والقوي الذي يستند إلى شرعية الناس لا إلى فوهة البندقية. ومنذ اللحظة الأولى لانتخابه، بدأت الاتصالات الدولية والعربية تتقاطع حوله: الأميركيون، الفرنسيون، العرب، كلهم أرادوا أن يعرفوا كيف سيتصرّف، وكيف سيتعامل مع الاجتياح الإسرائيلي، وكيف سيُعيد للبنان موقعه الطبيعي.
لكن اغتياله قطع الحلم. صار اسم بشير نشيدًا على ألسنة الشباب، وصار صوته الحاضر في الأغاني والصلوات، رمزًا للجرأة والحلم الذي لم يكتمل. وكموج البحر، بقي حضوره في ذاكرة اللبنانيين، يعلو ويخفت، لكن لا يغيب. نترحّم عليه اليوم، ونترحّم على وطنٍ لم يُعطَ فرصة أن يولد من جديد كما أراد.
منذ ثلاثة وأربعين عامًا، لم يستطع أي رئيس أن يملأ الفراغ الذي خلّفه. لم يحقق أحد ربع الربع مما وعد به “الباش”. بقي لبنان يتأرجح بين الحروب والأزمات والوصايات والفراغات، فيما صورة بشير تُطلّ كحلمٍ لم يكتمل. 14 أيلول إذًا ليس فقط عيد الصليب، بل هو أيضًا يوم الصليب اللبناني، يوم الألم الذي تحوّل إلى ذكرى، ويوم الخسارة التي ما زالت تحرق القلوب.
رحم الله بشير الجميل. رحمة الله على ذاك الشاب الذي أراد لبنان قويًا، سيدًا، حرًا. رحمة الله على الحلم الذي اغتيل، وعلى وطنٍ ما زال ينتظر قيامة تليق بتضحيات أبنائه.



