أخباركم – أخبارنا/ تقرير لبنان السياسي
في الوقت الذي تستقطب فيه الدوحة أنظار العالم مع انعقاد القمة العربية الإسلامية الطارئة لبحث العدوان الإسرائيلي عليها، يسود الجمود السياسي في الداخل اللبناني، حيث لم يسجل أي تقدم في ملف السلاح غير الشرعي سواء الفلسطيني أو ذاك الذي بحوزة حزب الله، ما أبقى الانقسام الداخلي على حاله وسط تباين المواقف بين القوى السياسية.
لبنان حضر بقوة في القمة، إذ أكد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون تضامن بلاده مع قطر ورفض الاعتداء عليها، مشدداً على أنّ المستهدف الحقيقي كان قيم الحوار والوساطة، داعياً إلى موقف عربي موحّد في الأمم المتحدة، فيما ثمّن أمير قطر وقوف لبنان إلى جانب بلاده ودعمه المتواصل. على هامش القمة، نشطت اللقاءات الثنائية للرئيس عون مع قادة عرب وإقليميين، أبرزهم الرئيسان السوري والإيراني، في إشارة إلى تمسك بيروت بعلاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
في الداخل، بقيت السجالات السياسية حول ملف السلاح في واجهة المشهد، حيث جدد حزب الله رفضه لما اعتبره “إملاءات خارجية” لحصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً ثباته في المعادلة الداخلية والخارجية، في مقابل موقف معارض من القوى السيادية التي ترى أنّ السلاح فقد شرعيته وبات يشكل عائقاً أمام قيام الدولة. هذه التباينات تعكس استمرار المأزق السياسي وتعقيداته.
أمنياً، سجّل لبنان إنجازاً جديداً في مجال مكافحة الجريمة المنظمة، إذ أعلنت وزارة الداخلية إحباط عملية ضخمة لتهريب المخدرات شملت ملايين الحبوب من الكبتاغون وأطناناً من الحشيشة، في إطار عملية نوعية نفذتها شعبة المعلومات بعد مراقبة دقيقة لشبكة دولية تمتد بين لبنان وعدة دول. وقد شدد الوزير أحمد الحجار على أن لا غطاء سياسياً لأي جريمة، وأن الأجهزة الأمنية تواصل عملها بحزم في مواجهة الإرهاب والعمالة والجريمة المنظمة.
بهذا، تتقاطع الملفات اللبنانية بين مشهد خارجي نشط على الساحة الدبلوماسية، وجمود داخلي في القضايا الخلافية، يقابله تقدم أمني يعكس قدرة المؤسسات على إثبات حضورها رغم التحديات.
اذا، على وقع العدوان الإسرائيلي الذي استهدف العاصمة القطرية الدوحة، انعقدت القمة العربية الإسلامية الطارئة بمشاركة واسعة من القادة العرب والمسلمين. وقد افتتحها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بكلمة نارية، أكد فيها أنّ “الدوحة تعرضت لاعتداء غادر وأن العدوان الإسرائيلي عمل إرهابي جبان يشكل انتهاكاً خطيراً لسيادتنا”. وأشار إلى أنّ إسرائيل تسعى لتحويل المنطقة العربية إلى ساحة نفوذ لها، محذراً من أنّ “هذا وهم خطير”، معتبراً أنّها تعمل على تقسيم سوريا وزعزعة استقرار لبنان وزجه في حرب أهلية.
في المقابل، لم يطرأ في لبنان أي جديد بارز على المشهد السياسي الداخلي المتصل بملف حصر السلاح بيد الدولة، لا لجهة السلاح الفلسطيني ولا بالنسبة لترسانة حزب الله. فبقي الجمود سائداً والانقسام الداخلي على حاله، فيما تحوّلت أنظار الداخل والخارج إلى الدوحة ترقباً للبيان الختامي المرتقب صدوره عن القمة، والذي بدا أنّ خطوطه العريضة وبنوده الأساسية قد حُسمت مسبقاً.
في خضم هذه التطورات، حضر لبنان بقوة في القمة عبر مشاركة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الذي وصل إلى مقر انعقادها في فندق الشيراتون في الدوحة، حيث بدأ لقاءاته فوراً. فاجتمع في البداية مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بحضور رئيس الحكومة ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، ومن الجانب اللبناني وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي والمستشار الخاص للرئيس العميد أندره رحال.
في مستهل اللقاء، جدد الرئيس عون إدانة لبنان للاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف قطر، مؤكداً وقوفه إلى جانبها وتضامنه مع شعبها الشقيق. وشكر عون أمير قطر على الدعم الذي تقدمه بلاده للبنان في مختلف الظروف، معتبراً أنّ هذا الدعم موضع امتنان جميع اللبنانيين. ورد الأمير تميم مرحّباً بالرئيس عون والوفد المرافق، وشكر تضامن لبنان، مشدداً على وقوف الدوحة إلى جانب بيروت ودعمها الدائم لها وسعيها لتحقيق الأمن والاستقرار في لبنان.
وفي كلمته أمام القمة، أكد الرئيس عون أنّ المستهدف الحقيقي من الاعتداء الإسرائيلي لم يكن أشخاصاً بل “مفهوم الوساطة والحوار” نفسه، في محاولة لترهيب الشعوب وتعطيل إرادتها. ودعا إلى التوجه بموقف عربي موحد إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لطرح سؤال أساسي: “هل تريد إسرائيل سلاماً دائماً وعادلاً في المنطقة؟”، مشدداً على أنّه إذا جاء الجواب بالإيجاب فلبنان على استعداد للجلوس فوراً إلى طاولة المفاوضات برعاية الأمم المتحدة، أما إذا جاء بالرفض فذلك يستوجب البناء على حقيقة الأمر الواقع.
وشدد عون على أنّ لبنان يعتبر الاعتداء على أي دولة عربية شقيقة اعتداءً عليه، لافتاً إلى أنّ استهداف قطر كان محاولة لتصفية قيم الحوار ودورها المحوري في الوساطة، داعياً إلى وضوح في الموقف العربي لمواجهة هذا التحدي.
إلى جانب الجلسات العامة، أجرى الرئيس عون سلسلة لقاءات جانبية مع عدد من القادة العرب، بينهم العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث جرى بحث تداعيات العدوان الإسرائيلي والتنسيق العربي لمواجهته.
كما التقى الرئيس عون نظيره السوري أحمد الشرع بحضور وزيري الخارجية اللبناني يوسف رجي والسوري أسعد الشيباني. كذلك اجتمع مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث أكد عون “حرص لبنان على إقامة علاقات متينة مع إيران تقوم على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية بما يخدم المصالح المشتركة”. ورد بزشكيان بالتأكيد على التزام بلاده بمبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، مشدداً على دعم إيران للبنان.
أما وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، فقد التقى نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، وعبر له عن تضامن لبنان مع قطر واستنكاره العدوان الإسرائيلي، وشكره على وقوف الدوحة الدائم إلى جانب لبنان ومؤسساته ودعمها للجيش اللبناني وقطاع الطاقة. ورد الوزير القطري مثمناً الموقف اللبناني، مؤكداً أنّ قطر ستبقى إلى جانب “بلاد الأرز” كما كانت دائماً.
في الداخل، لا يزال ملف حصر السلاح بيد الدولة عالقاً في دائرة التجاذب. فقد جدد حزب الله على لسان المعاون السياسي للأمين العام حسين الخليل رفضه لما وصفه “إملاءات خارجية صيغت تحت عنوان حصرية السلاح بنسبة 99%”. وأكد أنّ ما يُطرح اليوم يخالف ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري، مشدداً على أنّ المواقف الحازمة للرئيس نبيه بري والوحدة بين “أمل” و”حزب الله” عززت الموقف السياسي للحزب.
وأضاف الخليل أنّ الحزب لم يلجأ إلى الشارع للضغط على الحكومة، لكنه وقف “وقفة مشرفة”، لافتاً إلى أنّ موقف قائد الجيش في تقديم الخطة العسكرية لتنفيذ قراري 5 و7 آب اتسم بالحكمة أكثر من قرارات الحكومة، وساهم في تنفيس الأجواء. وأكد أنّ الأولوية تبقى لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة وإعادة الإعمار وإطلاق الأسرى. ورأى أنّ لبنان ما زال في مهب العاصفة بسبب موقعه الجغرافي على تخوم فلسطين المحتلة، داعياً إلى توحيد الجهود لمقاومة المحتلّ.
وشدد الخليل على أنّ “أصحاب الوصاية” حاولوا إقصاء حزب الله عن الحكومة، لكن الحزب باقٍ داخلها وخارجها “كسد منيع” لمواجهة هذه الضغوط.
في المقابل، أكد عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب رازي الحاج أنّ هناك من يسعى باستمرار لعرقلة قيام الدولة الفعلية وإعاقة مسار التعافي، مشدداً على أنّ القرار السياسي اتُخذ في الحكومة بوجوب حصر السلاح بيد الدولة. واعتبر أنّ السلاح فقد شرعيته وبات بلا مفعول، وأن أي سلاح مخالف سيخضع للمصادرة.
على الصعيد الأمني، أعلن وزير الداخلية أحمد الحجار عن إنجاز نوعي جديد، تمثل في إحباط عملية ضخمة لتهريب المخدرات من لبنان. وكشف الحجار خلال مؤتمر صحافي بعد تفقده مقر شعبة المعلومات – فرع الحماية والتدخل في ساحة العبد، عن ضبط 6 ملايين و500 ألف حبة كبتاغون و700 كلغ من الحشيشة كانت معدة للتهريب إلى السعودية عبر مرفأ بيروت.
وأوضح أنّ العملية جرت بعد مراقبة دقيقة استمرت أشهراً لشبكة دولية تمتد بين لبنان وتركيا وأستراليا والأردن، وتم توقيف رئيس الشبكة وعدد من أعضائها. وأشار إلى أنّ شعبة المعلومات نفذت العديد من العمليات الأمنية بصمت وفعالية، وأسفرت عن توقيفات مرتبطة بالإرهاب والعمالة للعدو الإسرائيلي، فضلاً عن ضبط جرائم جنائية.
وأكد الحجار أنّ مكافحة المخدرات عملية شاملة لا تقتصر على منطقة أو طائفة معينة، مشدداً على أنّ السلطة السياسية تقدم كل الدعم للأجهزة الأمنية، وأنه “لا غطاء فوق رأس أحد”.
هكذا يتقاطع المشهد اللبناني بين دينامية خارجية ناشطة من خلال الحضور البارز في القمة العربية – الإسلامية في قطر، وما رافقها من مواقف داعمة وتضامن عربي وإقليمي، وبين جمود داخلي مستمر في ملف السلاح غير الشرعي، مع تباين حاد بين القوى السياسية حول أولويات المرحلة المقبلة. وفيما ينجز الأمن سلسلة نجاحات لافتة على مستوى مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، تبقى التحديات السياسية الثقيلة ماثلة، في انتظار توافق داخلي يخرج البلاد من حالة المراوحة ويحصّنها في وجه العواصف الإقليمية والدولية.



