الأحد, أغسطس 9, 2026
34.1 C
Beirut

لبنان بين أوهام الأيديولوجيا وفرصة الإنقاذ!

نشرت في

أخباركم – أخبارنا / مسعود محمد

كفى أوهامًا!

ذهبنا عميقًا في لبنان خلف الأيديولوجيا، فوقف منا أناس مع القضية الفلسطينية على حساب لبنان، ووقف منا آخرون مع إيران على حساب لبنان، وبعضنا اصطف مع إسرائيل على حساب لبنان، ومنّا من اختار الغرب، ومنّا من انجذب إلى الشرق. ومع ذلك، لم يستفد لبنان يومًا من هذه الاصطفافات، بل كانت دائمًا الفائدة لفئة ضيقة على حساب الدولة. وكلنا ادعينا أننا نخدم لبنان، لكننا في الحقيقة خدمنا مشاريع الآخرين على حسابه.

اليوم لبنان يقف على حافة الانهيار: فقر ينهش الناس، فساد ينهش الدولة، وهجرة تفرغ البلاد من طاقاتها. ورغم هذا المشهد القاتم، ما زال البعض يصرّ على بيع اللبنانيين أوهام الأيديولوجيا: شرق في مواجهة غرب، مقاومة في مواجهة إمبريالية، ممانعة في مواجهة عمالة… وكأن الكهرباء تُولّد بالشعارات، وكأن الاستثمارات تأتي عبر الخطابات الرنانة.

إيران تساوي خراب أيديولوجي

منذ أن دخلت إيران عبر “حزب الله”، تحوّل لبنان إلى ساحة حرب بالوكالة. فرضت عليه عزلة دولية قاتلة، وجلبت العقوبات، ودمّرت مؤسساته. لم تبنِ إيران مصنعًا واحدًا، لم تؤمّن الكهرباء، لم تخلق فرص عمل، بل سلّحت ميليشيا فوق الدولة وأغرقت البلد في صراعات لا طائل منها.

الصين وروسيا تساويان وعودًا أيديولوجية فارغة

أما الصين وروسيا، اللتان يتعامل معهما البعض كطوق نجاة، فلم تقدما للبنان سوى وعود فارغة. الصين لم تفعل أكثر من إطلاق مشاريع على الورق لم ترَ النور، فيما “الحزام والطريق” التفّ حول لبنان ومرّ من قناة السويس إلى مرفأ بيريوس في اليونان ثم إلى حيفا في إسرائيل، بينما بقينا نحن خارج الخريطة. السبب واضح: بلد غارق في الفساد، منقسم سياسيًا، ومحاصر ماليًا لا يمكن أن يجذب الصين أو غيرها. بكين ليست جمعية خيرية، ولن تخاطر بأموالها في بلد تتحكم به الميليشيات.

أما روسيا، فحتى عندما كانت اتحادًا سوفياتيًا لم تقدّم للبنان الوطن شيئًا، ربما ساعدت فئة هنا أو هناك، لكنها لم تبنِ للبنان الدولة. واليوم، بعد تفكك الاتحاد وانغماس روسيا في حروبها لحماية ما تبقى من جغرافيتها، فإن أقصى ما تستطيع تقديمه لا يتعدى الدعم الكلامي الذي لا يساوي قيمة الخبر الذي كُتب به.

الغرب يساوي شريان الحياة

في المقابل، الغرب هو وحده الذي أبقى لبنان على قيد الحياة. تحويلات المغتربين من أميركا وأوروبا والخليج ما زالت الشريان الأساسي الذي يمد الاقتصاد بالسيولة. الجيش اللبناني لا يزال صامدًا بفضل الدعم الأميركي والأوروبي. المؤسسات الدولية، من صندوق النقد الدولي إلى البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، هي وحدها القادرة على ضخ مليارات لإطلاق خطة تعافٍ حقيقية.

الدولة أولاً… والسلاح خارجها

ومن هنا، يصبح واضحًا أن أي مشروع إنقاذ للبنان يبدأ من إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة. لا إصلاح اقتصادي ولا ثقة دولية ولا استثمارات ممكنة إذا ظل القرار الوطني مشرذمًا بين سلطات موازية. لا مغترب سيعيد أمواله في ظل دويلات، ولا شركة أجنبية ستستثمر في بلد تتحكم به الميليشيات. لذلك، لا بد من إنهاء قضية السلاح خارج الدولة وسحبه بشكل كامل، لأن استعادة السيادة وبناء الثقة هما الشرط الأول لجذب أي استثمار. الدولة وحدها، بجيشها وقضائها ومؤسساتها، قادرة على حماية الداخل وضمان الخارج، وبالتالي فتح الباب أمام الإنقاذ الفعلي.

لنعِ ونَحمي مستقبلنا

من الضروري أن يعي الشعب أنه لا يجوز أن تُستعمل شعارات نبيلة أو قضايا أجنبية ذريعة لتفكيك الدولة أو تبرير احتفاظ فئة ما بالسلاح والسيادة. هناك قرى مسحت عن بكرة أبيها لم يبقَ فيها مكان لرفع علم يظهر نوعًا من أنواع الانتصار، فما أن يرفع علم إذا وجد له مكان يرفع فيه حتى يقصف. فهل نستمر بتدمير القرى بحروب عبثية ونرفع فيها أعلام الأيديولوجيا لجر المزيد من الخراب؟ علينا أن نرفض أن يكون مصيرنا ذريعة لاستمرار دويلات السلاح والمآسي. أين كانت هذه الكرامة عندما بيع حقل كاريش ووقع وقف إطلاق نار مذل يقتل الناس يوميًا دون أن تُنطق كلمة؟ لقد جعلتم أبناء الناس ضحايا ليبقى المرشد الإيراني على كرسيه.

إما دولة واحدة بجيش واحد وسلطة واحدة، وإما خراب كامل يمحو ما تبقى من وطن. من ينتظر الإنقاذ من إيران أو الصين يعيش في وهم قاتل، ومن يصرّ على تعطيل انفتاح لبنان على الغرب يحكم على الشعب بالانتحار البطيء.

لبنان لا يحتاج خطبًا وشعارات، بل يحتاج كهرباء لا تنقطع، واستثمارات تخلق فرص عمل، ودولة تحمي أبناءها بدل أن تزجّهم في حروب عبثية. هذه لحظة الحقيقة: إمّا أن نستعيد دولتنا ونضع حدًا لدويلات السلاح والأيديولوجيا، أو نسقط جميعًا تحت ركام بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الأكاذيب.

شارك الخبر:

اضغط على مواقع التواصل ادناه لتتلقى كل اخبارنا

آخر الأخبار

التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل القضية الكردية: هل كان إقليم كردستان يستعد ليكون في قلب المعادلة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كانت هناك إشارات مبكرة إلى أن المنطقة تتجه نحو...

أنفاق الحزب في كسروان وجبيل والمختارة .. الرواية والدليل؟

أخباركم - أخبارنا/ فاطمة حوحو لم تكن عبارة شارل جبور عن أنفاق حزب الله في...

محمد نجيب الله وأفغانستان بين مشروع الدولة الحديثة وسقوط الجمهورية: من الإصلاحات إلى رعب طالبان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد البدايات: طبيب من كابول يصعد إلى قيادة دولة ممزقة وُلد...

سيبان حمو بين هوية القائد وتناقضات المشروع: قراءة في مسار قسد ومأزق القضية الكردية في سوريا

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد لم يكن صعود اسم سيبان حمو داخل قوات سوريا...

More like this

التحالف التركي–السعودي–الباكستاني وإعادة تشكيل القضية الكردية: هل كان إقليم كردستان يستعد ليكون في قلب المعادلة؟

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد كانت هناك إشارات مبكرة إلى أن المنطقة تتجه نحو...

محمد نجيب الله وأفغانستان بين مشروع الدولة الحديثة وسقوط الجمهورية: من الإصلاحات إلى رعب طالبان

أخباركم - أخبارنا/ مسعود محمد البدايات: طبيب من كابول يصعد إلى قيادة دولة ممزقة وُلد...

مآلات المشروع الإيراني: من “النهضة الثورية” إلى “الهيمنة المذهبية”

أخباركم - أخبارنا/ أكرم محمود الأيديولوجيا والبدايات: إعادة كتابة الهويةانطلقت الثورة الإيرانية بسردية ذكية جمعت...