أخباركم – اخبارنا
تقرير سوريا
في تحول بارز يعكس عودة الحضور السوري إلى الساحة الدولية، بدأ الرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك لقاءاته على هامش المشاركة في اجتماعات الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول حضور لرئيس سوري يلقي كلمة أمام الجمعية منذ أكثر من نصف قرن، حيث تعود آخر مشاركة من هذا المستوى إلى عام 1967. وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية من حيث الرمزية السياسية، إذ تأتي بعد سقوط النظام السابق وإعلان حكومة سورية جديدة تحاول تثبيت أقدامها دولياً.
الرئيس الشرع التقى وفداً من أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة، حيث دعا خلال لقائه إلى توحيد الصفوف رغم الاختلافات، مؤكداً أن العالم يمنح السوريين فرصة لإثبات قدرتهم على النهوض من جديد. وقال:
“يجب أن نكون شعباً موحّداً، قد لا نتفق في كل شيء ولكن يجب أن نتوحّد”.
وأضاف الشرع أن الطريق كان طويلاً وشاقاً ومليئاً بالصعاب، لكنه شدد على أن سوريا قادرة على أن تعود “عروس الشرق الأوسط”، مشيراً إلى أن ما ينقصها هو خطة سليمة ووحدة صف لإعادة البناء. وأكد أن حجم الدمار كبير في كل القطاعات، لكن سوريا تملك رأس مال بشري وموارد كبيرة تؤهلها للنهوض متى ما توافرت الإرادة والخطة الواضحة.
زيارة الشرع إلى نيويورك تتضمن جدول أعمال مكثف يشمل إلقاء كلمة رسمية أمام الجمعية العامة ولقاءات ثنائية مع قادة دول ومسؤولين أمميين لبحث قضايا إقليمية ودولية، بما في ذلك ملفات إعادة الإعمار، ومصير العملية السياسية، ومستقبل العلاقات السورية – الأميركية.
الجنوب السوري – السويداء في قلب العاصفة
تواصل محافظة السويداء دفع ثمن الأحداث الدامية التي شهدتها في 13 تموز الماضي، حيث لا تزال تداعياتها تلقي بظلال ثقيلة على المجتمع المحلي. فقد عُثر على جثة أحد أبناء قرية رضيمة اللواء شمال السويداء مقتولاً بطلق ناري داخل منزله بعد 65 يوماً من فقدانه، في حادثة تُضاف إلى سلسلة من عمليات القتل التي وصفت بأنها إعدامات ميدانية.
ووفقاً لإحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، ارتفع عدد ضحايا تلك الأحداث إلى 2048 قتيلاً منذ منتصف يوليو، بينهم 1592 من أبناء الطائفة الدرزية، منهم 817 مدنياً بينهم نساء وأطفال وكوادر طبية. كما توثّق اختفاء أكثر من 516 مختطفاً، بينهم 103 نساء، في ظل استمرار غياب المعلومات حول مصيرهم.
تؤكد هذه الأرقام حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها السويداء، حيث تتداخل عمليات القتل الميداني مع أعمال الخطف والاختفاء القسري، وسط تقارير عن ضلوع عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية في عمليات الإعدام، ما يثير مخاوف من تصفيات طائفية ومنهجية.
عبد الباقي ينفي أي حصار
من جهته، نفى مدير الأمن في السويداء، سليمان عبد الباقي، وجود أي حصار على طريق دمشق–السويداء، مؤكداً أن الطريق مؤمّن بالكامل وأن أكثر من مئة شاحنة محملة بالسلع والمحروقات تدخل يومياً تحت حماية جهاز الأمن العام. وأشار إلى أن الأخبار المتداولة عن فرض رسوم أو شروط إضافية غير صحيحة، محذراً من استغلال بعض التجار لرفع الأسعار بحجة الظروف الأمنية.
وأوضح عبد الباقي أن المفاوضات ما تزال مستمرة لإطلاق سراح المحتجزين لدى مجموعات محلية، كاشفاً عن جهود لعقد صلح عشائري يهدف إلى “وأد الفتنة وضمان عدم التعدي وإصلاح ذات البين”، مع استعداد قوات الأمن الداخلي لتأمين الترفيق إلى القرى التي شهدت توترات.
الملف التعليمي
على الصعيد التربوي، أعلنت محافظة السويداء استعدادها لاستئناف امتحانات الشهادة الثانوية العامة بعد أن تم تأجيلها نتيجة الأحداث. وأكدت في بيان رسمي أن حق التعليم حق مقدّس، متعهدة بتأمين بيئة آمنة للطلاب لعقد الامتحانات وضمان استمرارية العملية التعليمية رغم الظروف الصعبة.
الساحل السوري – تصاعد المجازر والانتهاكات
في موازاة مأساة السويداء، يواصل المرصد السوري توثيق مجازر دموية في مناطق الساحل السوري (اللاذقية، طرطوس، حماة، حمص). فقد رُصدت أكثر من 63 مجزرة منذ اندلاع الهجمات في مارس الماضي وحتى أواخر أبريل، أودت بحياة الآلاف، مع تسجيل 1682 ضحية مدنية موثقة بالأسماء.
الأرقام المفزعة تشمل مقتل 872 شخصاً في اللاذقية، 525 في طرطوس، و272 في حماة، فضلاً عن فقدان أكثر من 1200 مواطن من الطائفة العلوية الذين اعتقلوا دون مذكرات توقيف ولا معلومات عن أماكن احتجازهم.
ومنذ مطلع عام 2025، وثّق المرصد 1038 قتيلاً نتيجة سلوكيات انتقامية في مختلف المحافظات، لترتفع الحصيلة الإجمالية إلى 4402 ضحية بين مدنيين وعسكريين في عموم البلاد. هذه الانتهاكات المروعة تحدث وسط صمت دولي يراه المرصد بمثابة عامل مشجع لاستمرار الجرائم.
الجنوب السوري – الانتهاكات الإسرائيلية
تستمر الانتهاكات الإسرائيلية في ريفي القنيطرة ودرعا. فقد توغلت قوة عسكرية إسرائيلية مؤلفة من ستّ سيارات في بلدة صيدا الحانوت دون تسجيل اعتقالات، وذلك بعد توغل مماثل في محيط قرية كويا بمنطقة حوض اليرموك واشتباكها مع قوة مسلحة محلية قبل الانسحاب.
تأتي هذه التحركات في إطار سلسلة توغلات إسرائيلية متكررة في الجنوب السوري خلال الأيام الماضية، تخللتها عمليات تفتيش واعتقالات، في رسالة ضغط ميداني وسياسي على دمشق.
الشمال السوري – تصعيد عسكري وتوتر بين الجيش و”قسد“
رصد المرصد السوري امس استقدام تعزيزات عسكرية جديدة من قبل القوات الحكومية السورية إلى مدينة منبج بريف حلب الشرقي، شملت آليات محملة بالأسلحة والمعدات وسط انتشار مكثف لعناصر الجيش. وفي المقابل، دفعت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” بأسلحة ثقيلة إلى محاور التماس في محيط دير حافر، وسط مخاوف من اندلاع مواجهات واسعة.
وقد أسفر القصف الذي استهدف قرية “أم التينة” عن مقتل سبعة أشخاص (خمس نساء وطفلان) وإصابة أربعة آخرين بينهم ثلاث سيدات، وسط معلومات عن ارتفاع الحصيلة بسبب وجود مصابين بحالات حرجة. وأعلن مصدر في “قسد” الرد على مصادر النيران، فيما اندلعت اشتباكات متقطعة استخدمت فيها الطائرات المسيّرة والأسلحة الثقيلة.
مكافحة المخدرات – عمليات أمنية في منبج وحمص
في ملف الجريمة المنظمة، أعلنت وزارة الداخلية السورية ضبط مزرعة كبيرة لإنتاج مادة الحشيش في محيط منبج، حيث تمت مصادرة كميات ضخمة من نبتة القنب المستخدم في إنتاج المخدرات، وإلقاء القبض على صاحب المزرعة وإحالته إلى القضاء.
وفي مدينة حمص، نفذت إدارة مكافحة الإرهاب عملية نوعية أسفرت عن اعتقال شادي بجبوج الملقب بـ”العو” وشقيقه وسام، وهما من أبرز أذرع النظام السابق، بعد ملاحقة استمرت لأشهر. ويتهم الشقيقان بالضلوع في عمليات ابتزاز واغتيالات استهدفت نشطاء وأهالي درعا ضمن ميليشيات تابعة للنظام السابق.
توتر في طرطوس
شهدت مدينة طرطوس امس انتشاراً أمنياً مكثفاً مع دخول رتل يتبع للأمن العام إلى وسط المدينة، وسط تقارير عن ترديد بعض العناصر هتافات طائفية من بينها “صبرا يا علوية بالذبح جئناكم”، ما أثار حالة من القلق والتوتر في الأوساط المحلية. ويأتي هذا التطور في ظل حوادث استهداف متكررة لثكنات ونقاط عسكرية في المحافظة خلال الأيام الماضية دون إعلان رسمي عن الجهة المنفذة.
سوريا المنهكة
تعكس هذه التطورات المتزامنة صورة سوريا المنهكة بين سعي سياسي لإعادة الانخراط في المجتمع الدولي، وانفجارات أمنية وإنسانية تعصف بمناطق مختلفة من البلاد. ففي الوقت الذي يحاول الرئيس أحمد الشرع إعادة تقديم سوريا كلاعب إقليمي ودولي من منصة الأمم المتحدة، تتكشف يومياً أرقام مروعة لضحايا المجازر في السويداء والساحل، وتستمر التوغلات الإسرائيلية في الجنوب، والتوترات العسكرية في الشمال.
إن حجم المأساة الإنسانية – من قتل واعتقال واختفاء قسري – يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة للضغط نحو وقف العنف، وتوفير الحماية للمدنيين، ودفع جميع الأطراف نحو حل سياسي شامل يوقف نزيف الدم المستمر منذ سنوات.



