أخباركم – أخبارنا
تقرير لبنان السياسي
الاحتفالية الصاخبة لحزب الله امس في ذكرى اغتيال أمينه العام السابق حسن نصرالله، قابلها حضور إيراني لافت عبر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، في لحظة إقليمية دقيقة. فالمشهد ليس مجرد إحياء رمزي بل استعراض جديد لقوة حزب الله وسط دولة متصدعة، ومحاولة واضحة لترسيخ معادلة أنّ السلاح فوق أي قرار حكومي وأن الحزب لا يعترف عمليًا بسلطة الدولة ولا بمؤسساتها.
ما قاله نعيم قاسم في المهرجان لم يكن سوى إعادة تدوير لخطاب التحدي: لن ننزع سلاحنا، الخطر وجودي، وأي محاولة حكومية في هذا الاتجاه هي “خطيئة”. لكن المفارقة أنّ هذه الكلمات تزامنت مع حادثة الروشة التي أظهرت بوضوح كيف يتصرّف الحزب باعتباره سلطة بديلة تفرض نفسها على الأرض، وتكسر هيبة الدولة وتضع الجيش في موقع محرج بين الانضباط العسكري والواقع السياسي المفروض بالقوة.
في المقابل، حاولت الزيارة الإيرانية أن تمنح الحزب غطاءً سياسيًا إقليميًا، فامتدح لاريجاني “مبادرة قاسم تجاه السعودية” وأكد على الشراكة في مواجهة “العدو المشترك”. هذه الرسائل تطرح تساؤلًا بديهيًا: هل لبنان بات مجرد صندوق بريد في لعبة تفاهمات إيرانية – سعودية محتملة، أم أنه لا يزال يمتلك هامش قرار سيادي مستقل؟
رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام شددا بدورهما على أنّ لا حماية إلا تحت سقف الدولة وعلى ضرورة احترام السيادة. لكن الواقع أنّ السلطة السياسية تبدو ضعيفة، عاجزة عن فرض قراراتها، ومتروكة لتلاعب القوى الإقليمية. وهنا يبرز التناقض الفاضح: بين دولة تحاول إثبات نفسها بخطاب سيادي، وحزب مسلح يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع.
إنها لحظة مفصلية: إما أن يستعيد لبنان دولته ومؤسساته، أو يستسلم لمعادلة السلاح والوصاية، مع ما يعنيه ذلك من إطالة أمد الانهيار وتضييع أي فرصة لعودة الاستقرار.
فبينما وُضعت معالجة تداعيات حادثة الروشة في عهدة الأجهزة الأمنية والقضائية بعد الاجتماع الوزاري الموسع في السراي، أرخت ذكرى اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بظلالها على الساحة اللبنانية، مع المهرجان المركزي الذي نظمه الحزب قرب ضريحه بحضور حشد من مناصريه وكلمة ألقاها الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم. وقد جدد قاسم تمسك الحزب بخيار السلاح ورفض نزعه رغم قرار السلطات اللبنانية، معتبراً أن الخطر الإسرائيلي والأميركي على لبنان وجودي، وأن نزع السلاح يعني تلبية لمطلب إسرائيل. وقال إن الحزب واجه حرباً عالمية بالأداة الإسرائيلية والدعم الغربي لكنه صمد ورمم قياداته، مؤكداً أن إسرائيل واصلت اعتداءاتها بعد اتفاق وقف النار فيما لجأت واشنطن للضغوط السياسية. كما شدد على صمود أهالي الجنوب في أراضيهم، ودعا إلى التمسك باتفاق الطائف وتحرير الأراضي المحتلة، وطالب الحكومة بتحمل مسؤولياتها في إعادة الإعمار ووضع السيادة الوطنية على جدول أعمالها، مشيراً إلى نجاح التحالف مع حركة أمل في الانتخابات البلدية وداعياً لإجراء الانتخابات النيابية المقبلة في موعدها وعلى القانون الحالي.
وتخللت المناسبة وقفة وجدانية عند الساعة السادسة والدقيقة الحادية والعشرين في مختلف المناطق اللبنانية.
في موازاة ذلك، وصل إلى بيروت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني للمشاركة في الذكرى، في زيارة لافتة سبقت دخول العقوبات الأممية على بلاده حيز التنفيذ.
جال لاريجاني على عين التينة والسراي حيث التقى الرئيس نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، مشيداً بمبادرة الشيخ نعيم قاسم تجاه السعودية معتبراً إياها خطوة صائبة، ومؤكداً أن السعودية دولة شقيقة وأن العدو واحد. ورأى أن أي تقارب بين حزب الله والسعودية يصب في مصلحة استقرار لبنان، مضيفاً أن الحزب حركة أصيلة تمثل سداً منيعاً بوجه إسرائيل وتضحي من أجل رفاهية الشعب اللبناني. ورداً على سؤال حول تصريحات الموفد الأميركي توم باراك بشأن تمويل الحزب، قال إن ما صدر يعبر عن غضب، مؤكداً أن التعاون بين حزب الله والسعودية موقف صحيح بسبب العدو المشترك، وأن لا مبرر لوجود خلافات عميقة بينهما. من جانبه، شدد سلام خلال لقائه لاريجاني على أن العلاقات اللبنانية – الإيرانية يجب أن تقوم على أسس الاحترام المتبادل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي المواقف الرسمية، عاد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من نيويورك، ودعا إلى أن تكون الذكرى مناسبة للتأكيد على أن حماية التضحيات لا تكون إلا بوحدة الموقف والتفاف الجميع حول مشروع الدولة الواحدة القوية، مشدداً على أن لا حماية حقيقية إلا تحت سقف الدولة التي وحدها تمتلك الشرعية وتضمن الأمان لجميع اللبنانيين من دون تمييز، آملاً أن تكون هذه الذكرى محطة لترسيخ الإيمان بأن لا خلاص للبنان إلا بدولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات دستورية تحمي السيادة وتصون الكرامة. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فخاطب نصرالله والشهداء قائلاً إنهم لا نهايات بل بدايات، مؤكداً أن حماية السلم الأهلي هي أفضل وجوه الحرب مع الشر المطلق إسرائيل.
في السياق ذاته، واصل حزب الله عبر نوابه الدفع نحو ربط شرعية سلاحه بموقع الجيش والأجهزة الأمنية، إذ أشاد النائب حسن عزالدين بدور الجيش الذي تعاطى مع ما حصل في بيروت بحكمة وحرص على الاستقرار، مندداً بمحاولات بعض السياسيين إثارة البلبلة بين الجيش والناس. ورأى أن بيروت ستبقى وفية لشعبها وعروبتها، داعياً إلى الكف عن الرهانات على مشاريع أميركية فاشلة. في المقابل، اعتبر النائب إبراهيم منيمنة أن ما قام به الحزب محاولة لكسر هيبة الدولة وفرض أمر واقع جديد في بيروت، مشيراً إلى أن الحزب كان يدير فعلياً الوضع على الأرض في الروشة الخميس الماضي، حيث غابت الدولة وبدا أن هناك استسلاماً من قبل الأجهزة الأمنية. وأكد أن رئيس الحكومة نواف سلام يتابع الملف بجدية لمحاسبة المسؤولين.
من جانبه، انتقد رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل الحكومة، معتبراً أنها سلطة عاجزة في ملف السيادة، مشيراً إلى أن ما حصل في الروشة وضعها في موقف حرج ودفعها إلى تحميل الجيش المسؤولية. ورأى أن الحكومة خضعت لورقة خارجية واتخذت قراراً غير قادرة على تنفيذه. وفي موازاة ذلك، هاجم باسيل تغييب قانون الانتخاب عن جدول أعمال الجلسة التشريعية المقبلة، داعياً إلى الحفاظ على حق المنتشرين الذي أُقر في عهد الرئيس ميشال عون، ومطالباً بعدم انتزاعه. أما النائب بلال عبدالله فرأى أن قانون انتخاب المنتشرين الحالي متخلف ومذهبي، مشدداً على ضرورة تعديل المادة الخاصة بمشاركة المغتربين في الانتخابات النيابية العامة وعدم الذهاب نحو تأجيل الاستحقاق.
في المحصلة، جاءت ذكرى اغتيال نصرالله محمّلة بالرسائل المتناقضة: خطاب تصعيدي من الحزب يؤكد تمسكه بالسلاح ورفضه قرارات الدولة، زيارة إيرانية تسعى إلى تثبيت حضوره الإقليمي عبر بيروت، مواقف رئاسية تؤكد أن لا حماية إلا تحت سقف الدولة، وانتقادات معارضة تعتبر أن ما حصل في الروشة كسر لهيبة الدولة. وبين هذه التناقضات، يبدو لبنان أمام مفترق دقيق، حيث الدولة عاجزة عن فرض سلطتها، فيما الحزب يرسخ واقع السلاح والوصاية بدعم خارجي، في مشهد يعكس عمق الأزمة السياسية والسيادية التي يعيشها البلد.



