أخباركم – أخبارنا
كتب حسين قاسم
منذ قرون ارتبطت صخرة الروشة في بيروت بالرمزية والتاريخ، لكنّها في العقود الأخيرة باتت أيضاً مرتبطة بظاهرة الانتحار الفردي. غير أنّ ما شهدته في 24 أيلول 2025 شكّل منعطفاً مختلفاً، حيث تحوّل المشهد إلى انتحار جماعي سياسي بكل ما للكلمة من معنى، مثيراً أسئلة جوهرية حول أسباب إصرار فئات بعينها على تكرار فعل الانتحار، سواء حين تضعف أو حتى حين تعتقد أنّها في موقع قوة.
الانتحار الأول: مصادرة القرار الشيعي
بدأ المسار حين صادر حزب الله القرار السياسي للطائفة الشيعية، وسلّمه إلى إيران، بما مثّل خروجاً على قيم الشيعة العرب واللبنانيين. هذا التحوّل لم يقتصر على السياسة، بل مسّ الثقافة والتعليم والتقاليد الاجتماعية وحتى أنماط الملبس والمأكل، وصولاً إلى السيطرة الكاملة على القرار السياسي اللبناني عبر التحكم بقرار الطائفة. هكذا تحوّل لبنان إلى ساحة تستخدمها إيران لتوسيع نفوذها الإقليمي.
الانتحار الثاني: احتكار المقاومة
بعد اتفاق الطائف، جرى حصر المقاومة في حزب الله وحده. وعند اندحار الاحتلال الإسرائيلي في أيار 2000، قدّم الحزب النصر في خطاب بنت جبيل هدية للنظامين السوري والإيراني، ما عكس توجهاً لمصادرة إنجاز لبناني جامع وتوظيفه في أجندة خارجية.
الانتحار الثالث: حرب تموز 2006 وما بعدها
في حرب تموز أطلق الحزب على النتائج شعار “النصر الإلهي”، غير أنّ ما أعقبها كان أخطر: توجيه السلاح إلى الداخل اللبناني في 7 أيار 2008، والتوجه الى سوريا للدفاع عن نظامٍ مستبدٍ مجرم، ثم خلق بيئة مشحونة بفائض القوة وأوهام القدرة على “احتلال الجليل وتدمير إسرائيل”. هذه القناعة المبالغ بها دفعت البيئة الحاضنة إلى مزيد من الاندفاع نحو مسار انتحاري سياسي وعسكري.
الانتحار الرابع: حرب إسناد غزة
مع اندلاع حرب الإسناد، اندفعت الطائفة وراء قناعة راسخة بقدرة الحزب على الانتصار مجدداً. لكن النتائج جاءت كارثية: تدمير هيكلية الحزب وضرب قوته الأساسية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام وزعيمه التاريخي. هذا الانكسار أحدث شرخاً فكرياً وعقائدياً وسياسياً وبنيوياً، دفع إلى الهروب من الحقيقة عبر المزيد من السلوكيات الانتحارية، التي تجلّت أخيراً في احتفالية صخرة الروشة.
انتحار جماعي لا رجعة فيه؟
التاريخ القديم والحديث عرف ظواهر مشابهة، حيث تختار جماعة أو طائفة أو حركة سياسية إنهاء وجودها بشكل جماعي، إمّا احتجاجاً، أو رفضاً للهيمنة والذل، أو التزاماً بعقيدة راسخة. الفرق بين الانتحار الفردي والانتحار السياسي الجماعي أنّ الأخير يقود مكوّناً كاملاً إلى الفناء. وفي الحالة اللبنانية، فإن استمرار هذا النهج ستكون له تداعيات وجودية على لبنان ككيان وعلى الطائفة الشيعية بشكل خاص.
الفرصة الأخيرة للبنان:
البلاد اليوم أمام منعطف حاسم. مراجعة المسار السابق ضرورة، لكن القوى الممسكة بالقرار ليست معتادة لا فكرياً ولا سياسياً ولا تنظيمياً على النقد الذاتي. وإذا لم تُلتقط الفرصة الأخيرة المتاحة لنهضة لبنان واستعادة دوره الرائد في المنطقة، فإنّ المجهول والتهلكة سيكونان المصير الحتمي.



