أخباركم – أخبارنا
“قراءة في حدث” / ناديا شريم
رغم كل التطورات المتسارعة التي يشهدها لبنان والمنطقة، تحولت صخرة الروشة إلى حدث الاسبوع حيث احدثت انقساماً عمودياً بين اللبنانيين على كل المستويات .
وفي الوقت التي ازدادت فيه التوقعات عما سيحصل بعد هذا الحدث، فإن الثابت الوحيد هو ان ما حصل يشكل محطة اساسية ستختلف فيها الأمور عما كانت عليه قبل إضاءة الصخرة .
وفي هذا المجال، تقدم الدكتورة في الجامعة اللبنانية منى فياض قراءة واقعية وهادئة عما حدث، وعن انعكاسه على المرحلة المقبلة على كل المستويات.
تقول فياض لموقعنا: نحن نعرف أن حزب الله ينطلق من تراث شيعي ديني ويجد في المنبر الحسيني ركيزة أساسية في هذا التراث، هو ينقل القيم والبطولات عبر الكلمة وقد اشتهر السيد نصرالله بخطاباته التي كانوا يقولون بأنها توازي معركة سياسية، يعتبر الحزب ان الكلمة تعبر وتحشد وتبني شرعية، اما الرصاصة فتؤسس لسيطرة مؤقتة يعني بالنسبة للحزب الكلمة اهم من الرصاصة، الآن انتقلنا من الكلمة إلى الصورة. ما حصل على الروشة كان نوعاً من الانتقال من البندقية إلى الصورة، أي من السيطرة الخشنة إلى السيطرة الرمزية، لقد استخدم الصورة كأداة سلطة خصوصاً وانه يعرف ان الكلمة اهم من البندقية، واضاءة صخرة الروشة كانت بمثابة احتلال بصري للفضاء العام، وقد استخدم بيروت كساحة صراع رمزي وكميدان نفوذ وأراد إخضاع العاصمة رمزياً بعدما كان قد اخضعها أمنياً في السابق. هذا يعني ان القوة العسكرية تحولت إلى قوة ناعمة وقد قام الحزب بتسويق نفسه من خلالها بالإبهار البصري بدل السلاح، لكن الهدف لم يتغير وهو دائماً السعي للسيطرة مهما كانت الأدوات المستعملة. من هنا فإن الحزب يؤسس بواسطة الكلمة لسرديته وبواسطة الصورة والفيديو يثبت تجربة حسية درامية تصل إلى الداخل اللبناني والخارج.
الهدف الاساسي من المشهدية هو استجلاب عطف البيئة وتحويل أنفسهم وكأنهم شهداء كربلائيون كما الإمام الحسين، وهذا يشد العصب الشيعي لأني اظن ان هناك تلمساً بأن البيئة الشيعية تتفلت منهم ولم تعد كما كانت سابقاً بسبب معاناتها من العدوان الإسرائيلي اليومي إضافة الى الانهيارات الاقتصادية.
وتعليقاً على إحياء ذكرى الامينين العامين حسن نصرالله وهشام صفي الدين قالت: في الحقيقة، ما اذهلني أن أحياء ذكرى سيد الشهداء السيد حسن نصرالله مرجعهم الأساسي وقائدهم وقائد كل محورهم يمر بهذه الطريقة من إثارة النعرات، لقد زحفوا إلى الروشة في مشهد احتفالي، مشهد تحدي للمدينة دون ظهور اي علامة حزن في ذكرى استشهاد السيدين اللذين كانا قادتهما الأساسيين دون أي حزن حيث كان السيد وفيق صفا يضحك وكأنما ينقصه أرجيلة، لقد كان فرحاً يشكر قائد الجيش ونبيه بري والاجهزة الأمنية لأنهم كسروا كلمة الحكومة، مما يعني أن حزب الله أو ما يسمى مقاومة تحول من كسر إسرائيل واستعادة القدس إلى كسر الجبهة اللبنانية والحكومة اللبنانية وكسر المواطنين والوحدة الوطنية.
وكان أحد الصحفيين المحسوبين عليه متحمساً شديد الحماس بقوله “نحن كسرنا كلمة رئيس الحكومة” لقد أصبح عدوهم نواف سلام وليس نتنياهو.
هذا منطق غريب جداً، فماذا تريد إسرائيل أفضل من تفتيت الساحة الداخلية اللبنانية وتقسيمها، إنهم اليوم أداة تنفذ رغبات إسرائيل يعني إعادة تقسيم لبنان وهم يفتخرون بذلك، ويفتخرون باستعادة 7 أيار وجبهتي 8 و14 آذار، للأسف هذا يدل على حقد شديد على لبنان واللبنانيين وعلى المواطنين الذين يريدون استعادة الدولة التي تتمتع بالكرامة والسيادة.
ورداً على سؤال عن ارتباط ما حصل بإيران أجابت، إن معرفة مرجعية حزب الله لا تحتاج إلى كثير من الشطارة فهم يحملونها بيدهم من اعلام حزب الله الى الإعلام الإيرانية، لا أعرف إذا كانوا قد حملوا بعض الإعلام اللبنانية.
إن إيران هي مرجعيتهم وعندما احتاجتهم تحركوا كونها محشورة في زاوية بسبب العقوبات والتهديد بحرب جديدة بعدما قيل أن الاميركيين جمعوا العسكريين والأمنيين التابعين لهم في مختلف أنحاء العالم، وبعد تصريح قاليباف بأن إيران ما زالت تزود حزب الله بالسلاح، هذا يعني أن إسرائيل ستضرب كون الحزب يسترجع قدراته .
وعندما يقول نعيم قاسم إن الحزب يسترجع قوته ويؤكد قاليباف أن الحزب يزود بالأسلحة، ماذا يعني هذا ألا يكون الحزب يستدرج ضربة إسرائيلية ويبرر لها ضربه من جديد لأنه يسترجع قوته.
إن همّ الحزب هو ضرب الدولة اللبنانية حتى ولو كان ذلك على حساب امنهم وامانهم ولا ندرك متى تقرر إسرائيل التدخل لوقف كل هذه العنتريات؟
بالنسبة لموقف الحكومة تقول الدكتورة فياض: إنهم عقدوا اتفاقاً مع رئيس الحكومة واوهموه بأنهم قبلوا بعدم إضاءة الصخرة والاكتفاء بتجمع محدود إحياء للذكرى، فكسروا الاتفاق، وقاموا بكل ما يخالف قرار الحكومة، مما يعني أنهم مارسوا الخديعة كالعادة.
كانت هناك التزامات واضحة وقد ذكرها الإعلام الذي قال انه هناك جمعية مرخصة طلبت الإذن بالاحتفالية، على ان يتجمع حوالي 500 شخص ولم يعطوا الإذن لإضاءة صخرة الروشة، كونه احتلال للفضاء العام خصوصاً في مدينة بيروت التي لهم فيها أياد بيضاء طويلة منذ 7 ايار عندما تم احتلالها، هذا عدا عن كل الاغتيالات والانقلاب على رئيس الحكومة سعد الحريري وكل ممارساتهم المعروفة وكلها تظهر الحقد ضد بيروت وأهالي بيروت.
إن انقلابهم كان نوعاً من الخدعة والغدر وهم معروفون بذلك. وهنا لا أعرف ما مدى ثقة رئيس الحكومة بهم خصوصاً وأنهم لا يحفظون العهد ولا المواثيق. بعدما وقعوا على إعلان بعبدا قالوا “بلوا وشربوا مياهه”، واليوم أعادوا الكرة فقاموا بالشيء نفسه وكان هناك تواطؤ من بعض الأجهزة التي لم تكن تحت إمرة رئيس الحكومة، وهذا ما سماه البعض انقلاباً رمزياً أو انقلاباً في السلطة وتحدثوا عن ازدواجية في القرار والحزب كان سعيداً بذلك. كل هذا يعني أنهم نجحوا لفترة لكن علينا أن نرى كم سيغير هذا الامر في بنية السلطة، وهنا لا أرى في استقالة رئيس الحكومة حكمة لأن الحزب يريد اسقاط الحكومة ورئيسها، وهم يعتبرون انهم ليسوا طرفاً لكنهم مشاركون في الحكومة وموافقون على سياساتها ولم يتعيّن أحد في الدولة الا ووافقوا عليه وبالتالي فإن انقلابهم يشكل انقلاباً على أنفسهم.
على ضوء كل هذا لم يكن احتفالهم تكريماً لنصرالله بل هناك إساءة له لأنهم حولوا أهم معلم وطني في البلد أداة لتقسيم اللبنانيين وهذا بحد ذاته استباحة للدولة.
وتقول الدكتورة فياض، بخصوص المستقبل إنه علينا أن نتوقع بان تتحول كل المناسبات إلى معارك رمزية ليؤكد الحزب حضوره الرمزي في العاصمة وهو يقوم باستثمار في الذاكرة الجماعية بإحياء الانقسام القديم، وهو يعيد إنتاج خطاب انقسامي للمجتمع، لأنه يعرف ان الانقسام وحده يحمي دوره وسلاحه الإيراني.
وشكل الحدث فرصة للدولة لتفرض حضورها، فظهرت الدولة مزدوجة مما يساهم بإضعافها وتآكل هيبتها، وفي الوقت نفسه برز صراع على الهوية، كون بيروت معروفة كمدينة بانفتاحها وهي تستقبل الجميع.
فوضع الحزب علامة استفهام على هويتها، ليطرح السؤال الجوهري حول تلك المدينة هل هي تحت سلطة الدولة ام ساحة عروض للحزب القوي؟
وتختم الدكتورة فياض بالتشديد على ان المطلوب اليوم تحصين القرار السيادي وتوحيد موقف مؤسسات الدولة لعدم استغلال اي ثغرات من اي طرف لأن الازدواجية في الموقف الرسمي يتيح للقوى الموازية للدولة بأن تفرض حضورها، كما يجب استعادة الفضاء العام ووضع قواعد واضحة لإدارة المعالم والرموز الوطنية كي لا تتحول إلى ساحة صراع وابقاؤها مناطق مشتركة بين جميع اللبنانيين مع وضع قوانين للمحاسبة، فأي خرق للقرار الرسمي يجب أن يقابله إجراء قانوني واضح وعدم التسامح وعدم ترك انطباع بأن الدولة متواطئة ومنقسمة، كذلك هناك مسؤولية على الإعلام المستقل والحركات المدنية لكسر احتكار الصورة وتقديم صورة بديلة والتشديد على أن الفضاء العام هو ملك لجميع اللبنانيين وليس لاستعراضات القوة.
بالنسبة للخارج فالصورة التي وصلت بعد الذي حصل في الروشة هو رسالة تفيد بأن لبنان دولة خاضعة لحزب مسلح ولدولة اجنبية هي ايران، وهذا يضعف فرصة الحصول على دعم سياسي واقتصادي وإعادة الإعمار وهذا كله يعني أن الحزب يؤذي نفسه ويؤذي المواطنين.



