أخباركم – أخبارنا /عايدة الأحمدية
مع بزوغ فجر كل عام دراسي جديد، يعاود كابوس الأقساط المدرسية ظله الثقيل ليثقل كاهل العائلات اللبنانية ويخنق أنفاسها. غير أن هذا العام يحمل طابعًا كارثيًا استثنائيًا، يتجاوز كل ما هو مألوف. ففي وقت يغوص فيه أكثر من نصف الشعب تحت خط الفقر، وتتجمّد فيه المداخيل والرواتب، تتحدى العديد من المدارس كل منطق بسلسلة من الزيادات الصادمة التي تتأرجح بين 400 و7000 دولار. وتؤكد دراسة صادرة عن الاتحاد التربوي أن الزيادة المعقولة للقسط يجب ألا تتعدى حاجز 150 دولارًا، لكن الواقع المرير يسجل أرقامًا تفوق هذا المعيار بعشرات الأضعاف، في مشهدٍ يوشك أن يكون شكلاً من أشكال الابتزاز المنظم والممنهج.
وهذه الزيادات الفلكية غير المبررة لا تقتصر على القسط الأساسي وحده، بل تمتد لتطال النفقات الإضافية من كتب وقرطاسية ونقل، مما يضاعف الأعباء الملقاة على عاتق الأهالي إلى حدودٍ يصعب معها الاحتمال.
شهادة من قلب المأساة: قصة أمّ تواجه الجشع
من قلب هذه الأزمة، تروي الصحافية ميرفا جمول، أمّ لطفل في الثامنة من عمره، تجربتها فتقول: “شهدت الأقساط هذا العام ارتفاعًا هائلاً وغير مبرر. بل إن بعض المدارس لم تحدد بعد نسبة الزيادة بشكل نهائي، مؤجلة الإعلان عنها إلى منتصف العام الدراسي، مما يضع الأهالي في موقف خانق، ويحرمهم حتى من خيار نقل أولادهم إلى مدارس أخرى، إذ تُغلق الأبواب بوجههم.”
وتكمل جمول شارحة تفاصيل الأعباء: “مدرسة ابني، وهي مدرسة معتمدة (homologuée) تتبع النظام الفرنسي وتخضع لإشراف السفارة الفرنسية، بلغ قسط الصف الرابع الابتدائي فيها هذا العام 4300 دولار أمريكي. يضاف إلى هذا المبلغ 200 دولار تحت بند ‘مساعدة للمدرسة’، فضلاً عن 68 مليون ليرة لبنانية، وهو الجزء المفروض من القسط بالعملة المحلية وفق قرار وزارة التربية. ولم تتوقف التكاليف عند هذا الحد، فالطفل يحتاج إلى لباس موحد صيفي وآخر شتوي، إضافة إلى مستلزمات أخرى، بلغت كلفتها في العام الماضي وحده حوالي 260 دولارًا.”
منحٌ وهمية.. وشروطٌ تعجيزية
وفي سياق الحديث عن سبل التخفيف، تشرح جمول آلية المساعدات المزعومة: “تقوم المدارس الفرنسية بتوزيع نماذج سنوية للتقدم بطلب مساعدة مالية من السفارة الفرنسية، لكن هذه العملية تجري بشكل انتقائي بحت. والنموذج المذكور يتطلب تقديم مجموعة معقدة من الأوراق الرسمية، أبرزها شهادة نفي ملكية، التي قد تتجاوز كلفة استخراجها 20 مليون ليرة لبنانية. هذه الكلفة الباهظة تدفع العديد من الأهالي إلى التخلي عن فكرة التقدم من الأساس، خشية أن تفوق نفقة المستندات قيمة المساعدة المتوقعة نفسها.”
وتكشف عن مفارقة صادمة قائلة: “سعيتُ للاستفسار من عدد كبير من الأهالي على مدى السنوات الماضية عما إذا كانوا قد نجحوا في الحصول على هذه المساعدة، فكانت الصدمة أنني لم أعثر على أي شخص استفاد منها. يبدو أن هذه المساعدات توجه في الغالب إلى أبناء الكادر التعليمي العامل في هذه المدارس، الذين يتعلم أبناؤهم إما مجانًا أو بخصومات كبيرة، بينما تتحول هذه المنح إلى وسيلة لتعويض منح ابناء الكادر التعليمي ، خاصة أن السفارة الفرنسية لا تقوم بالضرورة بالتحقق الميداني من الظروف الخاصة لكل تلميذ متقدم.”
لجان أهلية هشة.. وكتب بأسعار خيالية
وتشير جمول إلى ضعف تأثير مجالس الأهالي، موضحة: “لجان الأهل في معظم المدارس هي إما تابعة بشكل كامل للإدارة أو أنها قريبة منها ولا تملك هامشًا حقيقيًا للضغط على. المدارس. هذا الضعف يتجلى بوضوح أكبر في المدارس الكاثوليكية، حيث الكلمة الفصل والسلطة المطلقة تبقى بيد السلطة الكنسية.”
أما فيما يخص أزمة الكتب المدرسية، فتوضح: “في مدرسة ابني، تتوفر الكتب عبر مكتبة تابعة للمدرسة مباشرة، ومعظم هذه الكتب مستوردة من فرنسا وبأسعار خيالية. حتى الكتب المطبوعة محليًا شهدت ارتفاعات جنونية في أسعارها. وقد كادت ظاهرة بيع وشراء الكتب المستعملة أن تختفي تمامًا من الساحة، بسبب ضعف هامش الربح فيها، في حين قد تصل تكلفة مجموعة الكتب الجديدة للطالب إلى 200 دولار أمريكي.”
صرخات أهالٍ.. بين مطرقة الاستدانة وسندان اليأس
من واقع المعاناة اليومية، تروي سمر، أم لثلاثة أولاد، مأساتها باختصار مؤلم: “نعمل نحن الأهالي فقط لندفع الأقساط المدرسية، وكأن حياتنا قد تحولت إلى حلقة مفرغة من الديون والعمل.”
أما جورج، وهو موظف يعيش في بيروت، فيقول: “قسط ابنتي في المدرسة الخاصة قفز فجأة إلى 6500 دولار، وهو مبلغ لم أعد قادرًا على تحمله، مما اضطرني إلى نقلها إلى مدرسة رسمية، رغم كل ما يعرف عن هذه المدارس من مشاكل ونقص في المستوى التعليمي.”
وتقول هالة، سيدة من الجنوب: “عندما نضيف كلفة الكتب والنقل إلى القسط المدرسي، يصبح المجموع حوالي 1200 دولار. معاش التقاعد الذي يتقاضاه زوجي لا يكفي حتى لتغطية القسط وحده، فكيف بالحياة والمعيشة؟”
ويضيف علي، وهو عسكري: “حتى المنح التي طالبت وزارة الدفاع المدارس الخاصة باعتمادها لأبناء العسكريين، لم تلتزم بها معظم المدارس، تاركين إيانا في مواجهة المصير نفسه.”
التعليم يتحول إلى امتياز حصري للأغنياء
هذه الصورة الكارثية لا تعكس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هي تجسيد لأزمة ضمير ومسؤولية عميقة. ففي وقت تشير إحصاءات أممية إلى عيش أكثر من 80% من اللبنانيين تحت خط الفقر، تواصل المدارس الخاصة انتهاج سياسة يمكن وصفها بـ “الجشع المنظم”، متحولة بذلك من مؤسسات تربوية تهدف إلى بناء الأجيال إلى كيانات تجارية تسعى وراء تعظيم أرباحها دون اكتراث بحقوق الأطفال واليأس الذي يعتري أسرهم.
النتيجة الأكثر إيلامًا وخطورة هي تحول التعليم الجيد من حق أساسي لكل طفل إلى سلعة فاخرة لا يقوى على اقتنائها سوى الأغنياء. هذا التحول لا يهدد المستقبل الفردي للتلامذة المحرومين فقط، بل يمزق النسيج الاجتماعي للبلاد من جذوره، ويقوض أي أمل في بناء جيل جديد قادر على النهوض بلبنان وانتشاله من أزماته. استمرار هذا الوضع الكارثي يعني تدميرًا متعمدًا وممنهجًا لأحد أهم مقومات بقاء أي أمة وازدهارها: ألا وهو التعليم.
الأزمة لم تعد خافية على أحد؛ فمن جهة، تقف إرادة الأهالي المثقلة بالديون واليأس، والتي بدأت تتحول من همسات متفرقة إلى صرخات علنية واحتجاجات بعدما سُدّت في وجوههم كل السبل. ومن جهة أخرى، تتمسك إدارات المدارس بحجج واهية لتبرير زياداتها الجنونية، بينما تقف الدولة عاجزة، أو ربما غير راغبة، في فرض حلول جذرية وحاسمة. وهكذا، تتحول الوعود الرسمية والتصريحات الحكومية إلى مجرد أصداء إعلامية لا تغيّر من واقع المأساة شيئًا يذكر. الوقت ينفد من بين يدي الأهالي، والوعود المجردة لم تعد تكفي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن إنقاذ ما تبقى من “الأمن التربوي” في لبنان، كما تحذر رئيسة اتحاد لجان الأهل، لم يعد أمرًا يمكن تأجيله. فهو يتطلب تحركًا عاجلاً وشاملاً، يجمع بين الضغط الشعبي المنظم والعمل المؤسساتي الجاد، لوضع حد لهذا الانفلات غير المسبوق. فالخيارات المطروحة واضحة ولا تحتمل التأويل: إما تفعيل رقابة صارمة وفعالة على المدارس الخاصة، وإعادة تشكيل مجالس التحكيم التربوية لتكون مستقلة ونزيهة، أو الاستسلام لمستقبل مظلم يصبح فيه التعليم مجرد حلم بعيد المنال، وتُدفن فيه أحلام أطفال لبنان وطموحاتهم تحت ركام الجشع واللامسؤولية والانهيار الشامل.



